دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

صديقٌ

لي صديق، اصطلحت عليه الأضداد، وأْتلفت فيه المتناقضات، سواء في ذلك خَلْقه وخُلُقه وعلمه  .  حيي خجول، يغشى المجلس فيتعثر في مِشْيَته، ويضطرب في حركته، ويصادف أول مقعد فيرمي بنفسه فيه، ويجلس وقد لف الحياء رأسه، وغض الخجل طَرْفه، وتقدم له القهوة فترتعش يده، وترتجف أعصابه؛ وقد يداري ذلك فيتظاهر أن ليس له فيها رغبة، ولا به إليها حاجة؛ يتحدث إلى جليسه لينسى نفسه وخجله، ولكن سرعان ما تعاوده الفكرة فيعاود الهرب؛ وهكذا دوالَيْك حتى يحين موعد الانصراف، فيخرج كما دخل، ويتنفس الصُّعَدَاء حامدًا لله على أنه لم يخرَّ صعِقًا، ولم يدركه حَيْنه كربًا وقلقًا.

من أجل هذا أكره شيء عنده أن يشترك في عزاء أو هناء، أو يُدْعى إلى وليمة أو يدعو إليها. يشعر أنه عبء ثقيل على الناس وأنهم عبء عليه. يحب العزلة لا كرهًا للناس ولكن سترًا لنفسه، ويأنس بالوحدة وهي تضنيه وتَبريه.

ثم هو — مع هذا — جريء إلى الوقاحة، يخطب فلا يَهَاب، ويتكلم في مسألة علمية

فلا ينضُب ماؤه، ولا يَنْدَى جبينه، ويعرض عليه الأمر في جمع حافل فيدلي برأيه في غير هيبة ولا وجل، وقد تبلغ به الجرأة أن يجرح حسهم، ويدمي شعورهم، فلا يأبه لذلك، ويرسل نفسه على سجيتها فلا يتحفظ ولا يتحرز.

يحكم من يراه في حالته الأولى أنه أحيا من مخدَّرة، ومن يراه في الثانية أنه أوقح

من ذئب وأصلب من صخر، ومن يراه فيهما أنه شجاع القلب، جبان الوجه.

وهو طموح قنوع، نابه خامل، يرمي بهمته إلى أبعد مرمَى، وتَنْزع نفسه إلى أسنى

المراتب، وتحفزه إلى أبعد المدارك؛ فيوفر على ذلك همه، ويجمع له نفسه، ويتحمل فيه أشق العناء، وأكبر البلاء، ولا يسأم ولا يضجر؛ وكلما نال منزلة مَلََّها وطلب أسمَى منها.

وبينا هو في جده وكده، وحزمه وعزمه، إذ طاف به طائف من التصوف، فاحتقر الدنيا

وشئونها، والنعيم والبؤس، والشقاء والهناء.

فهزئ به وسخر منه، واستوطأ مهاد الخمول ورضي من زمانه ما قسم له. وبينا

يأمل أن يكون أشهر من قمر، ومن نار على علم، يسافر في الشرق والغرب ذكره، ويطوي المراحل اسمه، إذا به يخجل يوم ينشر اسمه في صحيفة، ويذوب حين يشار إليه في حَفْل، ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يُدْفَن لا » : ويردد مع الصوفية قولهم يَعْجَبُ من يراه مُجِدَّا خاملًا، ومعرفة نكرة، وعاملًا مغمورًا. « يتم نتاجه وأغرب ما فيه أنه متكبر يتجاوز قدره، ويعدو طوره، ومتواضع ينخفض جناحه، وتتضاءل نفسه. يتكبر حيث يصغر الكبراء، ويتصاغر حيث يكبر الصغراء. يتأله على العظماء حتى تظن أنه نسل الأكاسرة ووارث الجبابرة، ويجلس إلى الفقير المسكين يؤاكله ويستذل له؛ هو نَسر أمام الأغنياء، وبغاث لدى الفقراء، لا تلين قناته لكبير، ويخزم أنفه الصغير.

يحب الناس جملة، ويكرههم جملة. يدعوه الحب أن يندمج فيهم، ويدعوه الكره

أن يفر منهم، حار في أمره فامتزج الحب بالكره، فاستهان بهم في غير احتقار.

صحيح الجسم مريضه. ليس فيه موضع ضعف. ولكن كذلك ليس فيه موضع

قوة. يشكو المرض، فيحار في شأنه الطبيب، فيحنق على الأطباء ويرميهم بالعجز وما العاجز إلا جسمه لم يستطع أن ينوء بنفسه.

كذلك كان رأسه: مضطرب، مرتبك، كأنه مخزن مهوش، أو دكان مبعثر، وضعت

فيه النعل القديمة بجانب الحجر الكريم، يؤمن بقول الفقهاء: القديم على قِدَمه، ثم

يدعو إلى التجديد. ويتلاقى فيه مذهب أهل السنة بمذهب أهل النشوء والارتقاء، ومذهب وتجتمع في مكتبته كتب خطية .« أبي ذَرّ » الاختيار بمذهب الجبر، وحب الغنى بمذهب قديمة قد أكلتها الأرضة، ونسج الزمان عليها خيوطه، وأحدثُ الكتب الأوربية فكرًا في « تأبَّط شرٍّا » وطبعًا وتجليدًا. ولكل من هذين ظل في عقله، وأثر في رأسه. يسره في حضارته وإمارته، ويؤمن بشاعرية هذا وذاك. يسمع إلى « جوته » بدواته وصعلكته، و الملحدين فيصغي إليهم، وإلى المؤمنين فيحن شوقًا لذكراهم. ويهمل في صلاته ويحافظ على صومه، إن ألحد فكره لم تطاوعه طبيعته، وإن كفر عقله آمن قلبه. ومن أصدقائه السكير الزاهد، والفاجر الداعر والعابد؛ وكلهم على اختلاف مذاهبهم يصفه بأنه يجيد الإصغاء كما يجيد البليغُ الكلام. سرت معه سيرة من جنسه، فأحببته وكرهته، ونقمت منه ورحمته، وكنت آنس به وأستوحش منه؛ يبعد عني فأتوق إليه، ويطول مقامي معه فأتبرم به. وأخيرًا، لم يقو جسمه على هذه الأضداد مؤتلفة، والمتناقضات مجتمعة. فعاجله الشيب في شبابه، وتقوس ظهره في ربيع عمره، وأصبح مترهل العضل، منسرقَ القوى، يظنه من رآه أنه بلغ أرذل العمر، ولِدَاتُه في رونق الشباب ومَيْعة النشاط. بلغني مرضه، فلم أدركه إلا جنازة، فشيعته إلى أن أنزل حفرته، وأجِنَّ في رمسه ونفضت من ترابه الأيدي!

وعدت موجَع القلب باكيًا، ضيق الصدر، مكروب النفس، أخذني من الحزن عليه

ما تنقضمنه الجوانح، وتنشقُّ له المرائر؛ فعلمت أن حبي له كان أعمق من كرهي إياه، وأن نقمتي عليه لم تكن إلا مظهرًا من عطفي عليه، وأني كنت أقسو عليه رحمة به!

رحمة لله عليه فقد حطم بعضُه بعضًا، ومضى قتيل روحه وشهيد نفسه.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

سيف النعيمي

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

%d مدونون معجبون بهذه: