
في موطأ الإمام مالك رحمه الله، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار، فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد. قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، قال: فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلا وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله. فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت عليه؟ إن العين حق، توضأ له”. فتوضأ عامر فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس.
قال أبو عمر: في هذا الحديث أن العين حق، وفيه أن العين إنما تكون من الإعجاب وربما الحسد. وفيه أن الرجل الصالح قد يكون عائنا، وأن هذا ليس من باب الصلاح ولا من باب الفسق في شيء. وفيه أن العائن لا ينفى كما زعم بعض الناس. وفيه أن التبريك لا يضر معه عين العائن، والتبريك قول القائل: اللهم بارك فيه، ونحو هذا. وقد قيل إن التبريك أن يقول:
تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه. وفيه دليل على أن العائن يجبر على الاغتسال للمعين.
[ثم قال:] ومما يدلك على أن صاحب العين إذا أعجبه شيء كان منه بقدر الله وقضاه، وأن العين ربما قتلت. كما قال صلى الله عليه وسلم: “علام يقتل أحدكم أخاه؟” ما رويناه عن الأصمعي أنه قال: رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها، فقال: أيتهن هذه؟ قالوا: الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعا: المورى بها، والمورى عنها. قال الأصمعي: وسمعته يقول: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني.
قال الأصمعي: وكان عندنا رجلان يعينان الناس، فمر أحدهم بحوض من حجارة، فقال: تالله ما رأيت كاليوم قط. فتطاير الحوض فرقتين، فأخذه أهله فضببوه بالحديد، فمر عليه ثانية فقال: وأبيك لعل ما أضررت أهلك فيك، فتطاير أربع فرق. قال: وأما الآخر فسمع صوت بول من وراء حائط، فقال: إنه لبن الشخب، فقالوا: إنه فلان. ابنك، قال: وانقطاع ظهراه، قالوا: أنه لا بأس عليه، قال: لا يبول بعدها أبدا. قال: فما بال حتى مات.