
(ضرورة ترك المحرمات كلها حال الصيام)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
واعلم؛ أنّه لا يتمّ التقرّب إلى الله عز وجل بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصّيام إلا بعد التقرّب إليه بترك ما حرّم الله في كلّ حال؛ من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبيّ ﷺ: «من لم يدع قول الزّور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»() خرّجه البخاريّ. وفي حديث آخر: «ليس الصّيام من الطّعام والشراب، إنّما الصّيام من اللغو والرّفث». قال الحافظ أبو موسى المدينيّ: هو على شرط مسلم.
قال بعض السّلف: أهون الصّيام ترك الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
| إذا لم يكن في السّمع منّي تصاون | وفي بصري غضّ وفي منطقي صمت | |
| فحظّي إذا من صومي الجوع والظّمأ | فإنّ قلت إنّي صمت يومي فما صمت |
وقال النبيّ ﷺ: «ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظّه من قيامه السّهر»() وسرّ هذا أنّ التقرّب إلى الله عز وجل بترك المباحات لا يكمل إلاّ بعد التقرّب إليه بترك المحرّمات، فمن ارتكب المحرّمات ثم تقرّب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرّب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته؛ لأنّ العمل إنّما يبطل بارتكاب ما نهي عنه فيه لخصوصه، دون ارتكاب ما نهي عنه لغير معنى يختصّ به. هذا هو أصل جمهور العلماء.
وفي «مسند الإمام أحمد»: أنّ امرأتين صامتا في عهد النّبيّ ﷺ فكادتا أن تموتا من العطش، فذكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض، ثم ذكرتا له فدعاهما فأمرهما أن يتقيئا، فقاءتا ملء قدح قيحا ودما وصديدا ولحما عبيطا، فقال النبي ﷺ: «إنّ هاتين صامتا عمّا أحلّ الله لهما، وأفطرتا على ما حرّم الله عليهما؛ جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكلان لحوم النّاس» ().
ولهذا المعنى -والله أعلم – ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشّراب على الصّائم بالنّهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ فإنّ تحريم هذا عام في كلّ زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أنّ من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل؛ فإنّه محرّم بكلّ حال لا يباح في وقت من الأوقات().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.