
(ما أطيب ريح خلوف فم الصائم عند الله)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
قوله: «ولخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك»، خلوف الفم: رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة؛ لخلوّ المعدة من الطعام بالصّيام.
وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدّنيا، لكنّها طيّبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته، وابتغاء مرضاته. كما أنّ دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثعب دما، لونه لون الدّم، وريحه ريح المسك.
وفي طيب ريح خلوف فم الصّائم عند الله عز وجل معنيان:
أحدهما: أنّ الصّيام لمّا كان سرّا بين العبد وربّه في الدنيا، أظهره الله في الآخرة علانية للخلق؛ ليشتهر بذلك أهل الصّيام، ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لإخفائهم صيامهم في الدّنيا. وروى أبو الشيخ الأصبهانيّ بإسناد فيه ضعف، عن أنس مرفوعا: «يخرج الصّائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم، أفواههم أطيب من ريح المسك»().
قال مكحول: يروح أهل الجنّة برائحة، فيقولون: ربّنا، ما وجدنا ريحا منذ دخلنا الجنّة أطيب من هذه الريح. فيقال: هذه رائحة أفواه الصّوّام.
وقد تفوح رائحة الصيام في الدنيا وتستنشق قبل الآخرة!!
لمّا كان معاملة المخلصين بصيامهم لمولاهم سرّا بينه وبينهم، أظهر الله سرّهم لعباده فصار علانية، فصار هذا التجلّي والإظهار جزاء لذلك الصّون والإسرار.
في الحديث: «ما أسرّ أحد سريرة إلاّ ألبسه الله رداءها علانية»().
والمعنى الثاني: أنّ من عبد الله وأطاعه، طلب رضاه في الدنيا بعمل، فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا، فإنّ تلك الآثار غير مكروهة عند الله، بل هي محبوبة له وطيّبة عنده؛ لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته.
فإخباره بذلك للعاملين في الدّنيا فيه تطييب لقلوبهم؛ لئلاّ يكره منهم ما وجد في الدنيا.
قال بعض السّلف: وعد الله موسى ثلاثين ليلة أن يكلّمه على رأسها؛ فصام ثلاثين يوما، ثم وجد من فيه خلوفا، فكره أن يناجي ربّه على تلك الحال، فأخذ سواكا فاستاك به، فلمّا أتى لموعد الله إيّاه، قال له: يا موسى، أما علمت أنّ خلوف فم الصّائم أطيب عندنا من ريح المسك، ارجع فصم عشرة أخرى.
خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك. عري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل. نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح. انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر. ذلّ الخائفين من سطوته هو العزّ. تهتّك المحبّين في محبّته أحسن من السّتر. بذل النّفوس للقتل في سبيله هو الحياة. جوع الصّائمين لأجله هو الشّبع، عطشهم في طلب مرضاته هو الرّيّ. نصب المجتهدين في خدمته هو الرّاحة.
| ذلّ الفتى في الحبّ مكرمة | وخضوعه لحبيبه شرف() |
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.