
(أسباب المغفرة في رمضان)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامه، وقيامه، وقيام ليلة القدر فيه، ومنها: تفطير الصّوّام، والتخفيف عن المملوك، وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديث مرفوع: «ذاكر الله في رمضان مغفور له»().
ومنها: الاستغفار، والاستغفار طلب المغفرة. ودعاء الصّائم يستجاب في صيامه وعند فطره؛ ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم، يا واسع المغفرة اغفر لي. وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المرفوع في فضل شهر رمضان: «ويغفر فيه إلاّ لمن أبى»، قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله.
ومنها: استغفار الملائكة للصّائمين حتى يفطروا، وقد تقدّم ذكره.
فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان.
في صحيح ابن حبّان عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أنّ النبي ﷺ صعد المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين. قيل: يا رسول الله، إنّك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين؟ قال: إنّ جبريل أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرّهما، فمات، فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليك، فمات، فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين»() وخرّجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبّان أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «رغم أنفه»().
وحسّنه الترمذيّ. وقال سعيد عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه. وفي حديث آخر: «إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر؟»
متى يقبل من ردّ في ليلة القدر؟ متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟ متى يصح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟ كلّ ما لا يثمر من الأشجار في أوان الثمار؛ فإنّه يقطع ثمّ يوقد في النار. من فرّط في الزّرع في وقت البذار، لم يحصد يوم الحصاد غير النّدم والخسار.
والشهر كلّه شهر رحمة ومغفرة وعتق، ولهذا في الحديث الصحيح: «أنّه تفتح فيه أبواب الرّحمة».
وفي الترمذي وغيره: «إنّ لله عتقاء من النّار، وذلك كلّ ليلة»() ولكنّ الأغلب على أوّله الرحمة، وهي للمحسنين المتقين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[الأعراف:٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾[الأعراف:١٥٦]. فيفاض على المتّقين في أوّل الشّهر خلع الرّحمة والرّضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان.
وأمّا أوسط الشهر، فالأغلب عليه المغفرة، فيغفر فيه للصّائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر فلا يمنعهم ذلك من المغفرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾[الرّعد:٦] ().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.