
(حال السلف مع تلاوة القرآن في رمضان)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
وقال بعض السّلف: من قام نصف الليل فقد قام اللّيل.
وفي سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين»() يعني أنه يكتب له قنطار من الأجر.
وعن ابن مسعود، قال: «من قرأ في ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار»().
ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل، وكان يصلّي لنفسه فليطوّل ما شاء، كما قاله النبي ﷺ. وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته.
وكان بعض السّلف يختم في قيام رمضان في كلّ ثلاث ليال، وبعضهم في كلّ سبع؛ منهم قتادة. وبعضهم في كلّ عشر؛ منهم أبو رجاء العطارديّ. وكان السّلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها؛ كان الأسود يقرأ القرآن في كلّ ليلتين في رمضان، وكان النّخعيّ يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصّة، وفي بقيّة الشّهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كلّ سبع دائما، وفي رمضان في كلّ ثلاث، وفي العشر الأواخر كلّ ليلة. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصّلاة. وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزّهريّ إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام.
قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن.
وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقرأ في المصحف أوّل النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت. وقال سفيان: كان زبيد الياميّ إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه.
وإنما ورد النّهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك. فأمّا في الأوقات المفضّلة، كشهر رمضان، خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكّة، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحبّ الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتنامًا للزمان والمكان. وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدلّ عمل غيرهم، كما سبق ذكره().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.