
(جهاد المؤمن لنفسه في شهر رمضان)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
واعلم أنّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه؛ جهاد بالنهار على الصّيام، وجهاد بالليل على القيام. فمن جمع بين هذين الجهادين، ووفّى بحقوقهما، وصبر عليهما، وفّي أجره بغير حساب. قال كعب: ينادي يوم القيامة مناد: إنّ كلّ حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصّيام، يعطون أجورهم بغير حساب.
ويشفعان له أيضا عند الله عز وجل، كما في المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصّيام: أي ربّ، منعته الطّعام والشهوات بالنّهار. ويقول القرآن: منعته النّوم باللّيل فشفّعني فيه، فيشفعّان»().
فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرّمة كلّها، سواء كان تحريمها يختصّ بالصّيام، كشهوة الطعام، والشّراب، والنّكاح، ومقدماتها، أولا يختص به، كشهوة فضول الكلام المحرّم، والنظر المحرّم، والسّماع المحرّم، والكسب المحرّم؛ فإذا منعه الصّيام من هذه المحرّمات كلّها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا ربّ، منعته شهواته، فشفّعني فيه.
فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته.
فأمّا من ضيّع صيامه ولم يمنعه ممّا حرّمه الله عليه، فإنّه جدير أن يضرب به وجه صاحبه؛ ويقول له: ضيّعك الله كما ضيعتني. كما ورد مثل ذلك في الصّلاة. قال بعض السّلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شمّ رأسه.
قال: أجد في رأسه القرآن. فيقال: شمّ قلبه. فيقول: أجد في قلبه الصّيام، فيقال: شمّ قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام. فيقال: حفظ نفسه حفظه الله عز وجل.
وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، فإن من قرأ القرآن وقام به، فقد قام بحقّه فيشفع له. وقد ذكر النبي ﷺ رجلًا، فقال: «ذاك لا يتوسّد القرآن»() يعني لا ينام عليه فيصير له كالوسادة.
وخرّج الإمام أحمد من حديث بريدة مرفوعًا: «إنّ القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه قبره، كالرّجل الشاحب، فيقول: هل تعرفني؟ أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكلّ تاجر من وراء تجارته؛ فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنّة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ؛ هذّا كان أو ترتيلًا»().
وفي حديث عبادة بن الصّامت الطويل: «إن القرآن يأتي صاحبه في القبر، فيقول له: أنا الذي كنت أسهر ليلك، وأظمئ نهارك، وأمنعك شهواتك، وسمعك وبصرك؛ فستجدني من الأخلاّء خليل صدق. ثم يصعد فيسأل له فراشًا ودثارًا، فيؤمر له بفراش من الجنّة، وقنديل من الجنّة، وياسمين من الجنّة، ثم يدفع القرآن في قبلة القبر، فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك»().
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال محمد بن كعب: كنّا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه. يشير إلى سهره وطول تهجّده().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.