
(تتمة هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
ومنها: تأخيره للفطور إلى السّحر. روي عنه من حديث عائشة وأنس أنّه ﷺ كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورا. ولفظ حديث عائشة: “كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدّ المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحوراً” () أخرجه ابن أبي عاصم، وإسناده مقارب.
وفي الصحيحين ما يشهد لهذه الروايات، ففيهما عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصّوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: «وأيّكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني. فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال. فقال: لو تأخّر لزدتكم، كالتّنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا»() فهذا يدلّ على أنّه واصل بالناس في آخر الشهر.
وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما واصل النبيّ ﷺ وصالكم قطّ، غير أنّه قد أخّر الفطر إلى السّحور. وإسناده لا بأس به. وخرّج الإمام أحمد من حديث علي أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر()، وخرّجه الطبرانيّ من حديث جابر أيضًا.()
وخرّج ابن جرير الطبري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر، ففعل ذلك بعض أصحابه، فنهاه، فقال: أنت تفعل ذلك. فقال: «إنكم لستم مثلي، إنّي أظلّ عند ربّي يطعمني ويسقيني».
قال أحمد وإسحاق: لا يكره الوصال إلى السّحر.
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: «لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السّحر. قالوا: فإنّك تواصل يا رسول الله؟ قال: إنّي لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني»().
وظاهر هذا يدلّ على أنّه ﷺ كان يواصل الليل كلّه، وقد يكون ﷺ إنّما فعل ذلك لأنّه رآه أنشط له على الاجتهاد في ليالي العشر، ولم يكن ذلك مضعفا له عن العمل؛ فإنّ الله كان يطعمه ويسقيه.
واختلف في معنى إطعامه؛ والصحيح أنّه إشارة إلى ما كان الله يفتحه عليه في صيامه وخلوته بربّه، لمناجاته وذكره من موادّ أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذّيه ويغنيه عن الطّعام والشراب. كما قيل:
| لها أحاديث من ذكراك تشغلها | عن الطعام وتلهيها عن الزّاد | |
| لها بوجهك نور تستضيء به | وقت المسير وفي أعقابها حادي | |
| إذا شكت من كلال السّير أوعدها | روح القدوم فتحيا عند ميعاد |
الذّكر قوت قلوب العارفين، يغنيهم عن الطعام والشراب، كما قيل:
| أنت ريّي إذا ظمئت إلى الماء | وقوتي إذا أردت الطّعاما |
لمّا جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.