
(تتمة هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
ومنها: اغتساله بين العشاءين، وقد تقدّم من حديث عائشة: “واغتسل بين الأذانين”. والمراد: أذان المغرب والعشاء.
وروي من حديث علي أنّ النبيّ ﷺ كان يغتسل بين العشاءين كلّ ليلة، يعني من العشر الأواخر. وفي إسناده ضعف. وروي عن حذيفة أنّه قام مع النبي ﷺ ليلة من رمضان، فاغتسل النبيّ ﷺ وستره حذيفة، وبقيت فضلة فاغتسل بها حذيفة وستره النبيّ ﷺ. خرّجه ابن أبي عاصم. وفي رواية أخرى عن حذيفة، قال: قام النبيّ ﷺ ذات ليلة من رمضان في حجرة من جريد النّخل، فصبّ عليه دلوا من ماء.
وقال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كلّ ليلة من ليالي العشر الأواخر. وكان النّخعيّ يغتسل في العشر كلّ ليلة، ومنهم من كان يغتسل ويتطيّب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، فأمر زر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان. وروي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيّب ولبس حلّة إزارًا ورداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل.
وكان أيوب السّختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس ثوبين جديدين، ويستجمر ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة، والتي تليها ليلتنا، يعني البصريين. وقال حمّاد بن سلمة: كان ثابت البناني، وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيّبان، ويطيّبون المسجد بالنّضوح والدّخنة في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداريّ حلّة اشتراها بألف درهم، كان يلبسها في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر.
فتبيّن بهذا أنّه يستحبّ في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظّف والتزيّن، والتطيب بالغسل والطّيب واللباس الحسن، كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد، وكذلك يشرع أخذ الزّينة بالثياب في سائر الصّلوات، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾[الأعراف:٣١]. وقال ابن عمر: «الله أحقّ أن يتزيّن له». وروي عنه مرفوعًا.
ولا يكمل التزيّن الظاهر إلا بتزين الباطن؛ بالتّوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها؛ فإنّ زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئا. قال الله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].
| إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى | تقلّب عريانًا وإن كان كاسيًا |
لا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلاّ من زيّن ظاهره وباطنه، وطهّرهما خصوصا لملك الملوك الذي يعلم السّرّ وأخفى، وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزيّن له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التّقوى.
ومنها: الاعتكاف: ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-، “أنّ النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتّى توفّاه الله”() وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: “كان رسول الله ﷺ يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيام. فلمّا كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين”().
وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر، قطعا لأشغاله، وتفريغا لباله، وتخلّيا لمناجاة ربّه وذكره ودعائه. وكان يحتجر حصيرا يتخلى فيها عن الناس، فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحبّ له مخالطة النّاس، حتّى ولا لتعليم علم، وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلّي بمناجاة ربّه وذكره ودعائه. وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشّرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلّا يترك به الجمع والجماعات؛ فإنّ الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهيّ عنها.
سئل ابن عبّاس عن رجل يصوم النّهار ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة والجماعة؟ قال: هو في النار.
فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصا في شهر رمضان، خصوصا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله.
فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كلّ شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربّه وما يقرّبه منه، فما بقي له همّ سوى الله، وما يرضيه عنه.
فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلّما قويت المعرفة بالله والمحبّة له، والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كلّ حال.
كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته، خاليًا بربّه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني! ()
| أوحشتني خلواتي | بك من كلّ أنيسي | |
| وتفرّدت فعاينتك | بالغيب جليسي() |
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.