
(من أعظم أسباب المغفرة كلمة الاستغفار)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
وأمّا كلمة الاستغفار؛ فمن أعظم أسباب المغفرة، فإنّ الاستغفار دعاء بالمغفرة، ودعاء الصّائم مستجاب في حال صيامه، وعند فطره. وقد سبق حديث أبي هريرة المرفوع: «ويغفر فيه -يعني شهر رمضان- إلاّ لمن أبى» قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى؟ قال: من أبى أن يستغفر الله عز وجل.
قال الحسن: أكثروا من الاستغفار، فإنّكم لا تدرون متى تنزل الرّحمة.
وقال لقمان لابنه: يا بني، عوّد لسانك الاستغفار؛ فإنّ لله ساعات لا يردّ فيهنّ سائلًا.
وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمّد:١٩]. وفي بعض الآثار: أنّ إبليس قال: أهلكت النّاس بالذّنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار.
والاستغفار ختام الأعمال الصّالحة كلّها؛ فتختم به الصّلاة والحجّ وقيام الليل، ويختم به المجالس؛ فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوا كان كفّارة لها، فلذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصّدقة، صدقة الفطر؛ فإنّ صدقة الفطر طهرة للصّائم من اللغو والرّفث.
والاستغفار يرقع ما تخرّق من الصّيام باللغو والرّفث؛ ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إنّ صدقة الفطر للصائم كسجدتي السّهو للصّلاة.
وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه: قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾[الأعراف:٢٣]، وقولوا كما قال نوح عليه السلام: ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾[هود:٤٧]، وقولوا كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾[الشعراء:٨٢]، وقولوا كما قال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾[القصص:١٦]، وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾[الأنبياء:٨٧].
ويروى عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: الغيبة تخرّق الصّيام، والاستغفار يرقّعه؛ فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقّع فليفعل. وعن ابن المنكدر: معنى ذلك: الصيام جنّة من النّار ما لم يخرقها، والكلام السيئ يخرق هذه الجنّة، والاستغفار يرقّع ما تخرق منها.
فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعمل صالح له شافع. كم نخرق صيامنا بسهام الكلام، ثم نرقّعه وقد اتّسع الخرق على الرّاقع. كم نرفو خروقه بمخيط الحسنات، ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع.
كان بعض السّلف إذا صلّى صلاة استغفر من تقصيره فيها، كما يستغفر المذنب من ذنبه. إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم، فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم؟ ارحموا من حسناته سيئات، وطاعاته كلّها غفلات.
| أستغفر الله من صيامي | طول زماني ومن صلاتي | |
| صيامنا كلّه خروق | وصلاته أيّما صلاتي | |
| مستيقظ في الدّجى ولكن | أحسن من يقظتي سباتي |
وقريب من هذا أمر النبي ﷺ لعائشة في ليلة القدر بسؤال العفو؛ فإنّ المؤمن يجتهد في شهر رمضان في صيامه وقيامه، فإذا قرب فراغه وصادف ليلة القدر، لم يسأل الله تعالى إلاّ العفو، كالمسيء المقصّر. كان صلة بن أشيم يحيي الليل، ثم يقول في دعائه في السّحر: اللهم، إنّي أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنّة. كان مطرّف يقول في دعائه: اللهم، ارض عنّا، فإن لم ترض عنّا فاعف عنّا. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
| إن كنت لا أصلح للقرب | فشأنكم عفو عن الذّنب |
أنفع الاستغفار ما قارنته التّوبة، وهي حلّ عقدة الإصرار، فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود. قال كعب: من صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنّة بغير مسألة ولا حساب. ومن صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر عصى ربّه، فصيامه عليه مردود. وخرّجه سلمة بن شبيب().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.