
(من مكفرات الذنوب صيام رمضان وقيامه)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
في الصحيحين من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي ﷺ، قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه»() وفيهما أيضًا من حديث أبي هريرة أيضا -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ، قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه»().
والتكفير بصيامه قد ورد مشروطًا بالتحفّظ ممّا ينبغي أن يتحفّظ منه. ففي المسند وصحيح ابن حبّان عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ، قال: «من صام رمضان فعرف حدوده وتحفّظ ممّا ينبغي له أن يتحفّظ منه، كفّر ذلك ما قبله»().
والجمهور على أن ذلك إنّما يكفّر الصغائر، ويدلّ عليه ما خرّجه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهنّ، ما اجتنبت الكبائر»().
وفي تأويله قولان:
أحدهما: أن تكفير هذه الأعمال مشروط باجتناب الكبائر، فمن لم يجتنب الكبائر لم تكفّر له هذه الأعمال كبيرة ولا صغيرة.
والثاني: أنّ المراد أنّ هذه الفرائض تكفّر الصغائر خاصّة بكلّ حال، وسواء اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب، وأنّها لا تكفّر الكبائر بحال.
وقد قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنّه يرجى به مغفرة الذنوب؛ كبائرها وصغائرها. وقال غيره مثل ذلك في الصّوم أيضا. والجمهور على أنّ الكبائر لا بدّ لها من توبة نصوح. وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاة في مواضع أخر.
فدلّ حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- على أنّ هذه الأسباب الثلاثة كلّ واحد منها مكفّر لما سلف من الذّنوب، وهي صيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر.
فقيام ليلة القدر بمجرده يكفّر الذنوب لمن وقعت له، كما في حديث عبادة بن الصّامت، وقد سبق ذكره. وسواء كانت في أوّل العشر أو أوسطه أو آخره، وسواء شعر بها أو لم يشعر. ولا يتأخّر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشّهر.
وأمّا صيام رمضان وقيامه، فيتوقّف التكفير بهما على تمام الشهر، فإذا تمّ الشّهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه، فيترتّب له على ذلك مغفرة ما تقدّم من ذنبه بتمام السّببين، وهما صيام رمضان وقيامه.
وقد يقال: إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان، بقيام رمضان قبل تمام نهارها، وتتأخّر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصّوم، فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر.
ويدلّ على ذلك ما خرّجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمّة غيرهم: خلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتّى يفطروا، ويزيّن الله كلّ يوم جنّته، ويقول: يوشك عبادي أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتصفّد فيه مردة الشّياطين؛ فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، فقيل له: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكنّ العامل إنما يوفّى أجره إذا قضى عمله»().
وقد روي أنّ الصّائمين يرجعون يوم الفطر مغفورا لهم، وأنّ يوم الفطر يسمّى يوم الجوائز() وقال الزّهريّ: إذا كان يوم الفطر خرج النّاس إلى الجبّان اطّلع الله عليهم، فقال: عبادي، لي صمتم، ولي قمتم، ارجعوا مغفورا لكم. قال مورّق العجليّ لبعض إخوانه في المصلّى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمّهاتهم.
وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: «من أتى عليه رمضان فصام نهاره، وصلّى وردا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة، وبكّر إلى جمعة، فقد صام الشّهر واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرّبّ». قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.