
(الحرص على إتمام العمل وإكماله وإتقانه)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
من وفّى ما عليه من العمل كاملًا وفّي له الأجر كاملًا، ومن سلّم ما عليه موفّرا تسلّم ماله نقدًا لا مؤخّرًا.
| ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم | ولا أسلّمها إلاّ يدا بيد |
ومن نقص من العمل الذي عليه نقّص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلم إلاّ نفسه. قال سلمان: الصّلاة مكيال، فمن وفى وفّي له، ومن طفّف فقد علمتم ما قيل في المطفّفين. فالصّيام وسائر الأعمال على هذا المنوال؛ من وفّاها فهو من خيار عباد الله الموفّين، ومن طفّف فيها فويل للمطفّفين. أما يستحيي من يستوفي مكيال شهواته. ويطفّف في مكيال صيامه وصلاته، ألا بعدا لمدين.
في الحديث: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته»() إذا كان الويل لمن طفّف مكيال الدّنيا، فكيف حال من طفّف مكيال الدّين! ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥].
| غدًا توفّى النفوس ما كسبت | ويحصد الزّارعون ما زرعوا | |
| إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم | وإن أساءوا فبئس ما صنعوا |
كان السّلف الصّالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمّون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من ردّه، وهؤلاء الذين ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾[المؤمنون:٦٠]. روي عن علي -رضي الله عنه-، قال: كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[المائدة:٢٧]. وعن فضالة بن عبيد، قال: لأن أكون أعلم أنّ الله قد تقبّل منّي مثقال حبّة من خردل أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها؛ لأنّ الله يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
وقال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبّل أشدّ من العمل. وقال عطاء السّليمي(): الحذر: الاتقاء على العمل أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبل منهم أم لا.
قال بعض السّلف: كانوا يدعون الله ستّة أشهر أن يبلّغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستّة أشهر أن يتقبّله منهم.
خرج عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- في يوم عيد فطر، فقال في خطبته: أيّها الناس، إنّكم صمتم لله ثلاثين يوما، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبّل منكم.
روي عن عليّ -رضي الله عنه- أنّه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري! من هذا المقبول فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم فنعزّيه؟ وعن ابن مسعود أنّه كان يقول: من هذا المقبول منّا فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم منّا فنعزّيه؟ أيّها المقبول هنيئا لك، أيّها المردود جبر الله مصيبتك.
| ليت شعري من فيه يقبل منّا | فيهنّا يا خيبة المردود | |
| من تولّى عنه بغير قبول | أرغم الله أنفه بخزي شديد |
ماذا فات من فاته خير رمضان؟ وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان؟ كم بين من حظّه فيه القبول والغفران، ومن كان حظّه فيه الخيبة والخسران. ربّ قائم حظّه من قيامه السّهر، وصائم حظّه من صيامه الجوع والعطش().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.