
أخي الحبيب أين نحن من هؤلاء؟ !
قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، قيل له: وكيف ذلك يا أبا معاوية؟
قال: كلهم يرى الفضل لي على نفسه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني.
والمرء يذكر بالجمائل بعده … فارفع لذكرك بالجميل بناء
واعلم بأنك تذكر مرة … فيقال: أحسن أو يقال أساء
إنها صفات كملت وجملت بالإسلام .. فكان تاجًا للأخلاق الفاضلة ونبراسًا للمعاملة الحسنة ..
وتبقى الدنيا دار الهفوات ومقر الزلات والعثرات ..
فهفوة الصديق لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية أو في حقك بتقصيره في الأخوة،
أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية والإصرار عليها فعليك
التلطف في نصحه بما يقوم أوده ويجمع شمله ويعيد إلى الصلاح والورع حاله
قال الإمام الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفرادي … وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع … من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت قولي … فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
حين مر أبو الدرداء على رجل قد أصاب ذنبًا فكانوا يسبونه،
فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟
قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله عز وجل الذي عافاكم،
قالوا: أفلا نبغضه؟ قال: إنما أبغضوا عمله فإذا تركه فهو أخي ..
وكذلك حكي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة
فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره،
فقال: أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده وأتلطف له
في المعاتبة وأدعو له بالعودة إلى ما كان عليه
والناصح المشفق هو الأخ الصادق كما قال يحيى بن معاذ: أخوك من عرفك العيوب وصديقك من حذرك من الذنوب.
وحتى حينما تكون المواجهة في مكان عام فانظر إلى الحلم والعفو وطيب النفس وعلوها .. خرج علي بن الحسين يومًا في المسجد فسبه رجل، فانتدب الناس إليه فقال: دعوه، ثم أقبل عليه، فقال ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم
قال حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل،
قلت: فإن لم يكن؟ قال: حسن أدب، قالت: فإن لم يكن؟ قال: أخ شقيق يستشيره،
قالت: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل. قلت: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل
وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه.
وقال الفضيل بن عياض موضحًا الفرق بين الناصح والشامت: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير (١).
وينثر أبو الدرداء درراً من الكلام وجواهر من الحكم فيقول: معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيك كله أعط أخاك ولن له ولا تطع به حاسدًا فتكون مثله، غدًا يأتيه الموت فيكفيك قتله، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله؟ (٢)
لا أمدح المرء أبغي من فضائله … ولا أظل أداجيه إذا غضبا
ولا يراني على باب أراقبه أبغي … الدخول إذا ما بابه حجبا
قال الخليل بن أحمد النحوي: الرجال أربعة،
فرجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك غافل فنبهوه،
ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه،
ورجل يدري ويدري أنه يدري فذاك عالم فاتبعوه،
ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك مائق فاحذروه
والنصيحة طريق الناصحين هذا رجل نصح لأبي حنيفة فقال: اتق الله! ! ! فانتفض أبو حنيفة واصفر، وأطرق، وقال جزاك الله خيرًا ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول مثل هذا (١).