
سنا نريد رحمك الله بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات وترك حقوقهم في العبادات وإفشاء السلام
ورد التحيات وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها جارية على سبلها ما لم يحل دونها حائل شغل ولا يمنع عنها مانع عذر
ولذلك قال إبراهيم النخعي لغيره: تفقه ثم اعتزل وأما إذا كانت العزلة فيها مجانبة لمجالس الشر ومفارقة لرفقاء السوء فإنها كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: في العزلة راحة من خليط السوء
وقال أبو ذر: الصاحب، مملي الخير خير من الساكت، والساكت خير من مملي الشر
والمرء كما قال عنه مسروق: حقيق أن تكون له مجالس يخلو فيها فيذكر ذنوبه ويستغفر منها
دع الناس ما شاءوا يقولوا فإنني … لا أكثر مما يحكي علي خمول
فما كل من أغضبه إذا معتب … ولا كل ما يروى علي أقول
والعزلة أخي الحبيب فيها فوائد ظاهرة خاصة في مجتمعات تتفشى فيها الغيبة والنميمة .. كما قال إسماعيل بن محمد .. سمعت ابن إبراهيم يقول لو لم يكن في العزلة أكثر من أنك لا تجد أعوانًا على الغيبة لكفى
والكثير تنفر نفسه من العزلة ولا يصبر عن الناس والسبب في ذلك كما قال بعض الحكماء: إنما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وعدم الفضيلة من نفسه فتكثر حينئذ علاقات الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويتفرع لاستخراج
الحكمة.
وخير جليس كتاب الله يؤانس به المسلم وحدته ويتدبر آياته .. قال بعضهم: الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس (٢).
وإلا فكيف تتكدر نفسه ويضيق صدره وبين يديه كتاب الله عز وجل يقرؤه ويتدبر معانيه.
قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس
قال شبيب بن شيبة: إن من إخواني من لا يأتيني في السنة إلا اليوم الواحد .. هم الذين أتخذهم وأعدهم للمحيا والممات، ومنهم من يأتيني كل يوم فيقبلني وأقبله، ولو قدرت أن أجعل مكان قبلتي عضة لعضضته (١).
ويحتار الإنسان في الناس فكيف السلامة والمخرج؟ ! وأين الطريق والجادة؟ !
قال الشافعي –رحمه الله- ليونس بن عبد الأعلى: يا أبا موسى رضا الناس غاية لا تدرك، ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر ما فيه صلاح نفسك فالزمه، ودع الناس وما هم فيه (٢).