دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

إن العبد في تنقلاته في هذه الحياة وأطواره فيها لا يخلو من حالتين: إما أن يحصل له ما يُحب ويندفع عنه ما يكره, فوظيفته في هذه الحالة الشكر والاعتراف بأن ذلك من نعم الله عليه, فيعترف بها باطناً ويتحدث بها ظاهراً, ويستعين بها على طاعة الله وهذا هو الشاكر حقاً..

الحالة الثانية.. أن يحصل للعبد المكروه أو يفقد المحبوب, فيُحدث له, هماً وحزناً وقلقاً فوظيفته الصبر لله, فلا يتسخط ولا يضجر ولا يشكو للمخلوق ما نزل به, بل تكون شكواه لخالقه سبحانه وتعالى, ومن كان في الضراء صابراً وفي السراء شاكراً فحياته كلها خير وبذلك يحصل على الثواب الجزيل ويكتسب الذكر الجميل([1]).

والبلاء الذي يصيب العبد لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن يكون في نفسه, أو في ماله, أو في عرضه, أو في أهله ومن يحب, والناس مشتركون في حصولها, فغير المؤمن التقي يلقى منها أعظم مما يلقى المؤمن كما هو مشاهد([2]). ورأيت جميع الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد على الحد, كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذلك وضعت, وهل ينتظر الصحيح إلا السقم, والكبير إلا الهرم والموجود سوى العدم([3]).

ولا بد أن يعلم المصاب أن الذي ابتلاه بمصيبته أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين, وأنه سبحانه لم يرسل البلاء ليُهلكه به ولا ليعذبه, ولا ليجتاحه, وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه, وليسمع تضرّعه وابتهاله وليراه طريحاً على بابه لائذاً بجنابه, مكسور القلب بين يديه رافعاً قصص الشكوى إليه([4]) قال تعالى:
} وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{([5]).

وقال تعالى: } إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{([6]).

وقال تعالى: } وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ{([7]).

وقد ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وتسعين موضعاً وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له, وجمع للصابرين بين أمورٍ لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى: } أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{ فالهدى والرحمة والصلوات مجموعةٌ للصابرين([8]).

وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: } وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ{. وقال تعالى: } اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{([9]).

وقال عليه الصلاة والسلام: “من يرد الله به خيراً يُصب منه”([10]).

والحمد لله على فضله وجزيل عطائه فقد بشرنا الرسول r بقوله: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذىً ولا غم, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه”([11]).

والأنبياء -عليهم السلام- يتوالى عليهم البلاء مثل كافة الناس وإن كانوا أشد بلاءً فعن أبي سعيد الخدري – رضى الله عنه- قال: قلت يا رسول الله, أي الناس أشد بلاءً؟ قال: “الأنبياء” قلت: ثم من؟ قال: “الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحتويها, وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء”([12]).

والصبر -أخي الكريم- مقامٌ من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين([13]).

وقد قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضاء بالقدر([14]).

وفي حديث عن النبي r: “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد”([15]).

والحسن -رحمه الله- يقول: “الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله – عز وجل – إلا لعبد كريم عنده”([16]).

وقال رسول الله r: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير, وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له([17]).

والخير الحاصل للشاكرين هو الزيادة: } وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ{.

والخير الحاصل للصابرين هو الأجر والثواب والمغفرة والرحمة([18]).

قال الفضيل: إن الله -عز وجل- ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير([19]).

وقال رحمه الله: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يُعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة, وحتى لا يحب أن يُحمد على عبادة الله([20]).

وسأل رجلٌ الإمام الشافعي فقال: يا أبا عبدالله, أيما أفضل للرجل أن يُمكن أو يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكن حتى يُبتلى, فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, فلما صبروا مكنَّهم, فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة([21]).

وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين } وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ{([22]).

والمصائب -أخي الكريم- تتفاوت ولكن أعظمها المصيبة في الدين, فهي أعظم مصائب الدنيا والآخرة, وهى نهاية الخسران الذي لا ربح معه, والحرمان الذي لا طمع معه([23]).

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه

 فما فاته منها فليس بضائر

وأصل كلمة الصبر هو المنع والحبس, فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي, والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما([24]).

وحقيقة الصبر خُلقٌ فاضل من أخلاق النفس, يمتنع به من فعل ما لا يُحسن ولا يجمل, وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها وحين سُئل الجنيد عن الصبر قال: تجرع المرارة من غير تعبس.

وقال ذو النون: هو التباعد عن المخالفات, والسكون عن تجرع غُصص البلية, وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.

وقيل: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب([25]).

-أخي الكريم- لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس, فلا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبته, ولهذا ذكر الله -تعالى- في غير موضع أنه لا بد أن يُبتلى الناس, والابتلاء يكون بالسراء والضراء, ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوؤه, فهو محتاج إلى أن يكون صابراً شكوراً.. قال تعالى: } إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا{. وقال تعالى: } وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{([26]).

ولو تبصر الإنسان في من حوله لوجدهم بين أمرين وفي أحد حالين: إما سراء أو ضراء ولكن النفوس البشرية تغفل عن فتنة السراء ولا ترى إلا فتنة الضراء وهى الظاهرة في شكاوى البشر.. فما من إنسان إلا له ألمٌ أو فجيعةٌ أو هم أو غم أو نكد, ولا يكاد يمر يوم في هذه الدنيا دون تنكيد وتنغيص قال تعالى } لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ{([27]).

قيل في تفسير هذه الآية: يكابد أمراً من أمر الدنيا وأمراً من أمر الآخرة وفي رواية يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة([28]).

عن عبد الملك بن أبحر قال: ما من الناس إلا مبتلى بعافية, لينظر كيف شُكره أو مبتلى ببلية لينظر صبره([29]).

أما نعمة الضراء.. فاحتياجها إلى الصبر ظاهر, وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها, فإن فتنة السراء أعظم من فتة الضراء([30]).

والفقر يصلح عليه خلق كثير, والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم, ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين, لأن فتنة الفقر أهون, وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر, لكن لما كان في السراء اللذة وفي الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء([31]).

وقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت

  
  ويبتلي الله بعض القوم بالنعم([32])


([1]) الصبر وأثره ص5.

([2]) الصبر وأثره ص12.

([3]) الثبات عند الممات ص19.

([4]) تسلية أهل المصائب ص225.

([5]) البقرة: 155.

([6]) الزمر: 10.

([7]) محمد: 31.

([8]) عدة الصابرين, 98 مكاشفة القلوب 237.

([9]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام. 10/9.

([10]) رواه البخاري.

([11]) متفق عليه.

([12]) رواه ابن ماجه.

([13]) الإحياء 4/65.

([14]) الإحياء 4/56.

([15]) ضعيف الجامع الصغير 3538.

([16]) مختصر منهاج القاصدين. 295.

([17]) رواه مسلم.

([18]) الصبر وأثره ص5.

([19]) الإحياء. 4/139.

([20]) السير. 8/434.

([21]) الفوائد 269.

([22]) مجموع الفتاوى 10/39.

([23]) تسلية أهل المصائب. 24.

([24]) عدة الصابرين 27.

([25]) عدة الصابرين. 29.

([26]) الفوائد. 271.

([27]) سورة البلد: 4.

([28]) تفسير ابن كثير 4/513.

([29]) حلية الأولياء. 5/85.

([30]) الفتاوى 14/305.

([31]) الفتاوى 14/305.

([32]) موارد الظمآن 2/75.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة