
أخي الكريم: إذا فجعتك المصائب ونزلت بك الهموم وادلهمت بك الطرق وأظلمت عليك الدروب من حوادث الدنيا المقدرة.. فإن عليك بمنزلة الرضا لما قدر الله وقضى فإنها المنزلة الأولى..
فارض بقضاء الله وقدره } قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا{.
والدرجة الثانية: الصبر على البلاء وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء, فالرضا فضل مندوب إليه مستحب, والصبر واجبٌ على المؤمن حتم.
والفرق بين الرضا والصبر, أن الصبر كف النفس وحبسها عن السخط مع وجود الألم وتمني زوال ذلك, وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع, والرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء وترك تمني زوال الألم وإن وجد الإحساس بالألم, لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة, وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية().
وينقسم الصبر إلى: واجب, ومندوب, ومحظور, ومكروه, ومباح.
فالصبر الواجب ثلاثة أنواع: أحدها: الصبر عن المحرمات. والثاني: الصبر على أداء الواجبات, والثالث: الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها, كالأمراض والفقر وغيرها.
أما الصبر المندوب: فهو الصبر عن المكروهات والصبر على المستحبات والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله().
والصبر المحمود: أنواع: منه صبر على طاعة الله -عزّ وجل- ومنه صبر عن معاصي الله -عزّ وجل- ومنه صبر على أقدار الله -عزّ وجل-().
قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: } سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ{() قال: صبروا على ما أمروا به, وصبروا عما نهوا عنه().
ويذكر عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: الصبر ثلاثة: فصبرٌ على المصيبة, وصبرٌ على الطاعة, وصبر عن المعصية, فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة, ومن صبر على الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة درجة.
ومن صبر عن المعصية خوفاً من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة().
وقال ميمون بن مهران: الصبر صبران: فالصبر على المصيبة حسن, وأفضل منه الصبر عن المعصية().
واحتمال الأذى فهو الصبر ولكنه أشق, وهو بضاعة الصديقين, وشعار الصالحين وحقيقته أن يؤذى المسلم في ذات الله -تعالى- فيصبر ويتحمل, فلا يرد السيئة بغير الحسنة, ولا ينتقم لذاته().
والله -جل وعلا- يجازيه على صبره: } إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{().
أخي المسلم:
إن الشخص البالغ العاقل ما دام في دار التكليف والأقلام جارية عليه, لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال, فإنه بين أمرٍ يجب عليه امتثاله, والصبر لا بد منه قولاً وفعلاً, وبين نهي يجب عليه اجتنابه وتركه, والصبر لا بد له منه, وبين قضاء وقدر يجب عليه الصبر فيهما, وبين نعمة عليه شكر المنعم عليها والصبر عليه, وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه, فالصبر لازم له إلى الممات.