
مما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما: إظهار المصيبة, والتحدث بها وإشاعتها, سواء كان كلامًا بها بين الأصحاب أو غيرهم, اللهم إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه: مات فلان, يعني والده أو ولده, ونحو ذلك, وما يريد به إظهار المصيبة, وإنما يريد إعلامهم لأجل الصلاة عليه وتشييعه ونحو ذلك مما هو من فروض الكفايات, ويحصل لهم بذلك القراريط من الأجر().
قال شقيق البلخي: من شكا مصيبة به إلى غير الله, لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوةً أبداً().
وما يصيب الإنسان محن وابتلاء من الله -جل وعلا- فالفتنة كير القلوب, ومحك الإيمان وبها يتبين الصادق من الكاذب, قال تعالى: } وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{. فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب, ومؤمن ومنافق, وطيب وخبيث فمن صبر عليها, كانت رحمةً في حقه, ونجا بصبره من فتنةٍ أعظم منها, ومن لم يصبر عليها وقع في فتنةٍ أشد منها().
قال ثابت: أصيب عبدالله بن مطرق بمصيبة فرأيته أحسن شيء شارة وأطيبه().
وكان علي بن أبي طالب يقول: من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك().
وعندما سأل رجلٌ الإمام أحمد: كيف تجدك يا أبا عبدالله؟ قال: بخير في عافية, فقال له: حممت البارحة؟ قال: إذا قلت لك: أنا في عافية فحسبك, لا تخرجني إلى ما أكره().
وما يكرهه -رحمه الله- التحدث عن المرض وعدم كتمانه وذلك لما يرجوه من كتمان المرض. فكيف يشتكي العبد ربه إلى مخلوق مثله, وأما إذا كان الإخبار على سبيل الاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره, لم يقدح ذلك في الصبر.
* بعث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- برسالة إلى أبي موسى الأشعري فيها: عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران, أحدهما أفضل من الآخر, الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى().
وإذا تأملت -أخي- حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجل الغايات وأكمل النهايات, التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان, وكان ذلك الجسر لكماله, كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه, وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة, فصورته صورة ابتلاء وامتحان, وباطنه فيه الرحمة والنعمة, فكم لله من نعمة جسيمة, ومنّة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان().
قال وهب بن منبه: رءوس النعم ثلاثة: فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها, والثانية نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا به