
أخي المسلم:
ينبغي للعبد أن لا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها, وما استخبر العقل والنقل أخبراه بأن الدنيا مارستان المصائب, وليس فيه لذةٌ على الحقيقة إلا وهى مشوبة بالكدر, فكلُ ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب وعمارتها وإن حسنت صورتها خراب, وجمعها فهو للذهاب, ومن خاض الماء الغمر لم يخل من بلل, ومن دخل بين الصفين لم يخل من وجل, فالعجب كل العجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع, وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضِّر النفع.
أخي:
| طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها | ||||
| صفواً من الأقذاء والأكدار | ||||
قال أبو الفرج الجوزي: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار, ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار, فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا, ونوح بكى ثلاثمائة عام, وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد, ويعقوب بكى حتى ذهب بصره, وموسى يقاسي فرعون ويلقى من قومه المحن, وعيسى ابن مريم لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك, ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين يصابر الفقر, وقُتل عمه حمزة وهو من أحب أقربائه إليه, ونفور قومه عنه, وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء مما يطول ذكره, ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ للمؤمن منها().
قال شقيق البلخي: ذهب بصر عبد العزيز بن أبي رواد عشرين سنة فلم يعلم به أهله ولا ولده فتأمله ابنه ذات يوم فقال له: يا أبت ذهبت عيناك؟ قال: نعم يا بني, الرضا عن الله أذهب عين أبيك منذ عشرين سنة().
وقال علي بن الحسن: كان رجل بالمصيصة ذاهبٌ نصفه الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده, ضريرٌ على سرير مثقوب, فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا منقطع إلى الله -عزّ وجل- ما لي إليه من حاجةٍ إلا أن يتوفاني على الإسلام().