
وليعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقى عليه, ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يُبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه على مصيبته, فلينظر أي المصيبتين أعظم, مصيبته العاجلة بفوات محبوبه, أو مصيبته بفوات بيت الحمد في جنة الخلد؟
وفي الحديث عن النبي r: “يود ناسٌ لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل الدنيا”.
وليعلم المصاب الجازع, وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثابٌ عليه. فإنه استسلم للصبر وانقاد إليه على رغم أنفه().
وقد نظر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى عدي بن حاتم كئيباً فقال: يا عدي مالي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي وفقئت عيني؟ فقال: يا عدي, من رضي بقضاء الله كان له أجر ومن لم يرض بقضاء الله حبط عمله().
وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجها, فدخل يوماً على الوليد في ثياب وش, وله غديرتان, وهو يضرب بيديه, فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش, فعانه فخرج من عنده متوسناً. فوقع في إصطبل الدواب, فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات. ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة, فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك, فعزم على قطعها فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة, فغشي عليه, ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر, فأخذها وجعل يقبلها في يده, ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام, ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي الله. ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة, ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين, فلما قدم من عند الوليد إلى المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه, فجعل يقول: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا, ولم يزد عليه ثم قال: لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة, فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هنالك. فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة: لا أباً لشانئك, أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها, فلما كشف عن ركبته فقال له عيسى: أما والله ما كنا نعدك للصراع, قد أبقى الله أكثرك, عقلك ولسانك وبصرك ويديك وإحدى رجليك فقال له: يا عيسى؛ ما عزاني أحدٌ بمثل ما عزيتني به.
ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئاً كيلا تشعر بالوجع فقال: إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره().
وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة بن الزبير الأكلة وقطعت, ولم يدع تلك الليلة وردة وقطعت ولم يمسكه أحد().