
لا يفتر لسانك من ذكر وشكر المُنعم المتفضل ولا تنسى حال المصيبة كلمة الاسترجاع فقد تضمنت كلمة “إنا لله وإنا إليه راجعون” علاجاً من الله ورسوله لأهل المصائب.
فإنها من أبلغ علاج المصائب وأنفعه للعبد في عاجله وآجله, فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته.
أحد الأصلين: أن يتحقق العبد أن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله -عزّ وجل- حقيقة, وقد جعله الله عند العبد عارية, فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من المستعير وأيضاً: فإنه محفوف بعدمين, عدمٍ قبله, وعدمٍ بعده, وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير.
وأيضاً: فإنه ليس هو الذي أوجده عن عدم, حتى يكون ملكه حقيقةً ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ولا يبقى عليه وجوده فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي.
وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر, تصرف العبد المأمور المنهي, لا تصرف المالك, ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق مالكه الحقيقي.
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق, ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره, ويأتي ربه يوم القيامة فرداً, كما خلقه أول مرة, بلا أهل ولا مال ولا عشيرة, ولكن يأتيه بالحسنات والسيئات, فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله فيه, ونهايته وحاله فيه, فكيف يفرح العبد بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا, أم كيف يأسى على مفقود, ففكرة العبد في بدايته ونهايته من أعظم علاج المصائب.
ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه().
ولا ينبغي للمؤمن أن ينزعج من مرض أو نزول موت, وإن كان الطبع لا يملك إلا أنه ينبغي له التصبر مهما أمكن, إما لطلب الأجر بما يعاني, أو لبيان أثر الرضا بالقضاء, وما هي إلا لحظات ثم تنقضي.
وليتفكر المعافى من المرض في الساعات التي كان يقلق فيها, أين هي في زمن العافية؟ ذهب البلاء, وحصل الثواب, كما تذهب اللذات المحرمة ويبقى الوزر, ويمضي زمان التسخط بالأقدار ويبقى العتاب. وهل الموت إلا آلام تزيد فتعجز النفس عن حملها فتذهب, فليتصور المريض وجود الراحة بعد رحيل النفس, وقد هان ما يلقى كما يتصور العافية بعد شرب الشربة المرة, ولا ينبغي أن يقع جزع بذكر البلى, فإن ذلك شأن المركب, أما الراكب ففي الجنة أو في النار. وإنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل قبل نزول المعوق عنها. فالسعيد من وفق لاغتنام العافية, ثم يختار تحصيل الأفضال فالأفضل في زمن الاغتنام. وليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل ههنا. والعمر قصير والفضائل كثيرة فليبالغ في البدار فيا طول راحة التعب, ويا فرحة المغموم, ويا سرور المحزون, ومتى تخايل دوام اللذة في الجنة من غير منغص ولا قاطع, هان عليه كل بلاء وشدة().
| رضيت بالله في عسري وفي يسري | ||||
| فلست أسلك إلا أوضح الطرق() | ||||
قال كعب: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها().
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: ما قضى الله فيّ بقضاء فسرني أن يكون قضى لي بغيره, ما أصبح لي هوى إلا في مواقع القدر().
وجاء رجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقاً في حاله ومعاشه واغتماماً بذلك فقال: أيسرك ببصرك مائة ألف؟ قال: لا, قال: فبسمعك؟ قال: لا, قال فبلسانك؟ قال: لا, ثم قال يونس: أرى لك مئين ألوفاً وأنت تشكو الحاجة().