
قد جمع الله للصابرين ثلاثة أمور: لم يجمعها لغيرهم وهى: الصلاة منه عليهم, ورحمته لهم, وهدايته إياهم, قال تعالى: } وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{.
قال بعض السلف, وقد عُزي على مصيبة نالته: ما لي لا أصبر. وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال, كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها().
عن محمد بن خلف قال: كان لإبراهيم الحربي ابن كان له إحدى عشرة سنة, حفظ القرآن ولقنه من الفقه جانباً كبيراً, قال: فمات, فجئت أعزيه فقال كانت أشتهي موت ابني هذا, قال: فقلت له: يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم, رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت, وكأن صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم, وكان اليوم حاراً شديداً حره, قال: فقلت لأحدهم: أسقني من هذا الماء, قال: فنظر إليّ وقال: ليس أنت أبي, قلت: فأي أنتم؟ قال: فقال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباؤنا فنستقبلهم فنسقيهم الماء, قال: فلهذا تمنيت موته().
أخي: إنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس, فلا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبتة, ولهذا ذكر الله -تعالى- في غير موضع أنه لا بد أن يُبتلى الناس, والابتلاء يكون بالسراء والضراء, ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوءه, فهو محتاج إلى أن يكون صابراً شكورا, قال تعالى: } إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا{().
قال قيس بن الحجاج في قول الله: } فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا{ قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو().
وقد مات ابن لبعض قضاة البصرة, فاجتمع إليه العلماء والفقهاء, فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره, فأجمعوا أنه إذا ترك شيئاً مما كان يصنعه فقد جزع().
عزى رجلٌ رجلاً في ابنه فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه, فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر, فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك والسلام().
| أما والذي لا خُلد إلا لوجهه | ||||
| ومن ليس في العز المنيع له كفو | ||||
| لئن كان بدء الصبر مراً مذاقه | ||||
| لقد يُجنى من غبته الثمر الحلو | ||||