
*لقد رضي الله عن المؤمنين*
قال تعالى: }لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا{ [الفتح: 18].
إن الفوز برضوان الله (جل وعلا) هو غاية ما يتمناه المؤمنون الصادقون، فرضوان الله (جل وعلا) أعظم من نعيم الجنة التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنالا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا»().
* ولذلك فهم أحرص الناس على الفوز برضوان الله في الدنيا والآخرة فبيعتهم بيعة لأرواحهم الثمينة عندهم لتزهق لمرضاة الملك الحق، وبيعة لأنفسهم النفيسة لتذهب لمرضاة الواحد القهار، وبيعة لوجودهم وحياتهم لأن في موتهم حياة للرسالة.
ولأن فيقتلهم خلودًا للملة ولأن في ذهابهم بقاء للميثاق، لقد تعبوا وسهروا، وجاعوا وظمئوا، وأصابهم الضرر والضيق، والمشقة والضنى، لكنه رضي عنهم.
لقد فارقوا الأهل والأموال والأولاد والديار، وذاقوا مرارة الفراق ولوعة الغربة ووعثاء السفر وكآبة الارتحال، لكنه رضي عنهم، لقد شردوا وطردوا وفرقوا وتعبوا وأجهدوا، لكنه رضي عنهم.
هل جزاء هؤلاء المجاهدين والمنافحين عن الملة: غنائم من إبل وبقر وغنم؟ هل مكافأة هؤلاء المناضلين عن الرسالة الذابين عن الدين: عروض مالية؟ هل تظن أنه يبرد غليل هؤلاء الصفوة المجتباة والنخبة المصطفاة، دراهم معدودة أو بساتين غناء أو دور منمقة؟ لا. يرضيهم رضوان الله، ويفرحهم عفو الله، ويثلج صدورهم كلمة: }وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا{ [الإنسان: 12-16]