
فمن صفات سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى: تعظيم ما عظمه الله ورسوله r من الأمكنة والأزمنة والأيام والشهور والعبادات والأخلاق والمعاملات وغير ذلك، وما هذا إلا لتعظيم الله عز وجل في قلوبهم، فلذلك عاشوا لله وبالله وفي الله، فأحبوا ما أحبه الله، وكرهوا ما أبغضه، وعظموا ما عظمه، فاستحقوا بذلك أن يكونوا جيلاً فريدًا أدرك كل فضيلة، وسبق في كل ميدان.
ومما عظمه السلف الصالح رضوان الله عليهم من أمر الدين: شهر رمضان المبارك، لما ورد فيه من الفضائل الكثيرة والكنوز العظيمة التي اجتهد السلف غاية الاجتهاد في تحصيلها والفوز بها، لينالوا بذلك كرامة الدنيا والآخرة، وليكون هذا الشهر
الفضيل شاهدًا لهم يوم القيامة.
رمضان رسول من الله
قيل: (مثل هذا الشهر كمثل رسول أرسله سلطان إلى قومه، فإن أكرموا شأنه، وعظموا مكانه، وشرفوا منزلته، وعرفوا فضيلته، رجع الرسول إلى السلطان شاكرًا لأفعالهم، مادحًا لأحوالهم، راضيًا لأعمالهم؛ فيحبهم السلطان على ذلك، فيحسن إليهم كل الإحسان. وإن استخفوا برعايته، وهونوا لعنايته، ولم ينزلوه منزلته من الإكرام، وفعلوا به فعل اللئام، رجع الرسول إلى السلطان, وقد غضب عليهم من قبيح أفعالهم، وسيئ أعمالهم؛ فيغضب السلطان لغضبه.
كذلك يغضب الله سبحانه وتعالى على من استخف بحرمة شهر رمضان، فيا أيها الإنسان, هذا شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، وهو رسول من عند الملك الديان، فمن أكرمه منكم حقيقة الإكرام، وحفظ فيه لسانه من قبيح الكلام، وبطنه من أكل الربى والحرام، وأموال الأرامل والأيتام، غفر له الملك العلام، وأكرمه غاية الإكرام، وأدخله الجنة مع أهل الطاعة والإحسان).
[بستان الواعظين، لابن الجوزي]