
ها هي قلوب المؤمنين يملأها الفرح والسرور باستقبال هذا الموسم الجليل من مواسم الطاعة والرحمة والعتق من النيران.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
ها هي الدنيا تستعد لاستقبال شهر كريم حبيب إلى نفوس المؤمنين.
ها هما الليل والنهار يتسابقان إيذانًا بمقدم هذا الشهر العظيم.
إنه شهر رمضان … شهى الهدى والفرقان … شهر الذكر والتراويح … شهر الشكر والتسابيح … شهر الصدقة والصيام … شهر الإيثار والمواساة.
فأهلاً ومرحبًا بك يا شهر رمضان … وفقنا الله لصيام نهارك وقيام ليلك أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة.
أخي المسلم
هناك أناس يقصرون مع هذا الشهر العظيم، ولا يقدرونه حق قدره … فتقع منهم الأخطاء والمخالفات والمنكرات … وقد يدرون بذلك وقد لا يدرون.
| فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة | ||
| وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم | ||
وسوف ننبه في هذه الوريقات على بعض الأخطاء والمخالفات التي تقع من كثير من الناس حتى يعلموها ويحذروا منها ويقتربوا إلى الله تعالى بتركها، فمن ذلك:
1- جهل كثير من الناس بفضائل رمضان، فيستقبلونه كغيره من الشهور، مع أن الله عز وجل فضله بفضائل عظيمة، ومن ذلك قوله r: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» [رواه مسلم].
ومن ذلك أن فيه ليلة القدر، وقد قال تعالى: }لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ{ [القدر: 3]. أي أن العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر.
فالواجب على الناس أن يغتنموا هذا الشهر، ويستغلوا أيامه ولياليه في التقرب إلى الله عز وجل؛ لينالوا الأجر العظيم والثواب الجليل ومغفرة الذنوب، والعتق من النيران.
2- وهناك صنف آخر يضيق صدره إذا علم بقدوم رمضان، ومعظم هؤلاء من المدخنين، الذين وقعوا في أسر السجائر والشيشة والتبغ بشتى أنواعه.
يكرهون رمضان لأنه يحرمهم من التدخين بالنهار، ولو كانوا من أهل الحزم لجعلوا من رمضان فرصة للتخلص من هذا الوباء الخطير والسموم الفتاكة.
فيا أخي المدخن! إذا كان باستطاعتك أن تترك التدخين نصف يوم كامل، فلماذا لا تتركه اليوم كله؟! أين إرادتك؟ أين قوتك؟ أين عزيمتك؟
أتعرف أن أحد السلف قال: لو أعلم أن شرب الماء يقدح في عدالتي ما شربته. فكيف بك أنت تشرب هذا الدخان مع خبثه ونتانته، واتفاق العلماء على تحريمه… أليس هذا من العجب؟!
3- ومن أخطاء كثير من الناس في رمضان: الكسل الشديد وكثرة النوم، ولا سيما في نهار رمضان، ومنهم من لا يستيقظ من نومه إلا قبيل المغرب لتناول الإفطار؟ أين الصيام إذن؟ وأين الصلوات المكتوبات؟ وأين ذكر الله وتلاوة القرآن؟
4- ومن الأخطاء في رمضان: كثرة السهر إلى ساعات متأخرة من الليل لغير حاجة ولا عمل، وكان من هدي النبي r عدم السهر بعد العشاء.
وتعظم البلية حين يسهر بعض هؤلاء على ما يُغضب الله عز وجل من لعب الورق والزهر والمعاكسات الهاتفية، أو في الأسواق، أو في متابعة القنوات الفضائية وغير الفضائية التي تبث العري والخلاعة والمجون، ويزداد سعارها وخلاعتها خاصة في هذا الشهر الفضيل، فأي صوم لهؤلاء الذين قضوا نهارهم في النوم، وأفطروا على مشاهدة الأجساد العارية؟!
5- ومن الأخطاء تضييع الأوقات في متابعة الفوازير وحل الألغاز والأحاجي، والمشاركة في المسابقات الضارة.
6- ومن الأخطاء كثرة الأكل في رمضان حتى أصبح رمضان عند كثير من الناس شهر الطعام والشراب والموائد، لا شهر الصيام والقيام والفوائد، وقد أجريت إحصائية في أحد الدول فوجدوا أن كميات الأطعمة والمشروبات التي تستهلك في رمضان أكثر منها بكثير في أي شهر آخر. فهل هذا هو رمضان؟ وهل هذا هو الصيام؟ وهل هذا هو ما كان عليه رسول الله r وأصحابه؟
يقول النبي r: «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني].
7- ومن الأخطاء في رمضان: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين، فبعض الناس يرى الأخطاء والمنكرات ولا يحرك لها ساكنًا، ومنهم من يقدر أن هذا الرجل الذي يسب أو يلعن أو يؤذي غيره لن يستجيب للنصح فيترك نصحه اعتمادًا على التقدير الخاطئ الذي ليس عليه أي دليل، والله تعالى يقول في شأن أعتى البشر: }اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى{ [طه: 43، 44]. ويقول النبي r: «الدين النصيحة – ثلاثًا – قالوا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» [رواه مسلم].
8- ومن الأخطاء في رمضان: ترك كثير من الناس العمل، وانصرافهم إلى أكل أموال الناس بالباطل، فهذا يتسول في المساجد، وهذا في الشوارع، وهذا يمد يده للتجار، وللناس في ذلك حيل كثيرة أكثرها كذب وتضليل وتزوير، ليحصلوا على أموال الصدقات والزكوات التي توزع بكثرة في هذا الشهر.
9- ومن الأخطاء في رمضان: ما يفعله بعض الناس من السفر خارج البلاد سواء في أول الشهر أو في وسطه، ليعصوا الله في هذه البلاد بحرية، ولو علم هؤلاء مصلحتهم لما فعلوا ذلك ولظلوا في بلادهم يصومون ويصلون ويغتنمون أيام وليالي هذا الشهر الكريم.
10- ومن الأخطاء في رمضان: اجتهاد بعض الناس في أول رمضان، ويظل هذا الاجتهاد ينقص شيئًا فشيئًا حتى يكاد ينعدم في آخر رمضان، وهذا خلاف هدي النبي r، فقد كان النبي r يكثر من أنواع العبادات في جميع رمضان، وكان في العشر الأواخر أشد اجتهادًا من العشر الأوائل والعشر الأوسط.
قال الحافظ ابن رجب: كان النبي r يخص العشر الأواخر في رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر منها:
1- إحياء الليل، فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله.
2- ومنها أنه كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر الأخير دون غيرها من الليالي.
3- ومنها أن النبي r كان يشد المئزر، والصحيح أن المراد: اعتزاله النساء.
4- ومنها: الاعتكاف. [لطائف المعارف باختصار].
فيا أخي الحبيب!
اجتهادك في أول رمضان دليل خير وبرهان صدق، فحافظ على هذا الاجتهاد، واصبر على طاعة الله، صبر المريض على مرارة الدواء، وسوف تتذوق حلاوتها فيما بعد.
قال بعض السلف: لو علم الملوك ما نحن عليه من اللذة والنعيم بطاعة الله، لجالدونا على ذلك بالسيوف.
11- ومن أخطاء بعض الناس في رمضان: الغيبة، والنميمة، والكذب، والزور، والفري في أعراض المسلمين، يقطعون بذلك ساعات صومهم كما زعموا، وهذا يضعف ثواب الصيام جدًا، قال النبي r: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [رواه البخاري].
وبعض الناس يتناولون أعراض المسلمين ويؤذونهم على سبيل الضحك والتنكيت، والنبي r يقول: «ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك به القوم، ويل له، ويل له» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه الألباني].
12- ومن الأخطاء في رمضان: سماع الأغاني والألحان، وهذا وإن كان محرمًا في غير رمضان، فتحريمه في رمضان أشد، لشرف الزمان وكثرة فضائل رمضان، فرمضان هو شهر القرآن لا شهر الألحان، فعلى العاقل أن يجعل من هذا الشهر بداية حقيقية لميلاد جديد، في ظل كتاب الله وسنة رسوله r وهدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ولا يعتمد على رخص بعض العلماء وأخطائهم، فإن من تتبع رخصة كل عالم، اجتمع في الشر كله.