
سجود الشكر
إن نعم الله سبحانه وتعالى على خلقه كثيرة لا تحصى، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]. وقال جل وعلا: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].
ومن أعظم ما يشكر به العبد ربه- سبحانه وتعالى- عند تجدد النعم أو اندفاع النقم أن يخر لله ساجدًا، فيضع أشرف عضو من أعضاء جسمه- وهو الوجه- على الأرض، وينكس جوارحه ويتطامن خضوعًا وتذللًا لله- جل وعلا- وشكرًا له على هذه النعم، ويستحب له شكر الله بأنواع الذكر والتسبيح أو الدعاء وغيره، فيكون العبد قد شكر المعطي- جل وعلا- بهذا السجود بقلبه ولسانه وجوارحه.
ويجب معرفة أن الله لا يحب الفرحين ولا الأشرين فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وهذا هو سر سجود الشكر حيث يحصل به من المقصود ما ليس في غيره.
وهذه السنة قد غابت عن الكثير منا مما جعلهم يستعجبون عند قيام أحدهم بفعله، بل والأدهى أنه إذا فعل أمام جماعة من الناس نظروا بغرابة.. بل قد لا يفعله البعض حياء من الناس مع أنه إحياء لسنة الرسول المصطفى r . فالله الله في هذه السنة.
تنبيه.
اتفق أهل العلم على أن سجود الشكر غير واجب إلا أنه يعدّ مشروعًا لفعله r وفعل الصحابة رضوان الله عليهم اقتداءً بالنبي الأمين.
والدليل: يروى عن البراء بن عازب t أنه قال: (بعث رسول r إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي r بعث علي بن أبي طالب فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي t إلى رسول الله بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله r الكتاب خرّ ساجدًا ثم رفع رأسه فقال: «السلام على همدان، السلام على همدان».
كذلك روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t سجد لما جاءه خبر بعض الفتوحات في عهده.
* فمتى يشرع سجود الشكر؟!
يشرع السجود في أحوال كثيرة:
(1) يستحب للمرء عند حدوث نعمة خاصة أو عامة، سواء تسبب في حصولها أو لم يتسبب، كأن يرزق ولدًا، أو يجد ضالته، أو ينجيه الله من هلكة ونحو ذلك.
فقد روى البخاري ومسلم- رحمهما الله تعالى- عن كعب ابن مالك t أنه سجد شكرًا لما بشّر بتوبة الله عليه.
(2) يستحب السجود عند رؤية شخص قد ابتلي في بدنه بعاهة، أو ماله بجائحة أو إفلاس، أو في دينه بفسق أو كفر، فيسجد شكرًا لله الذي عافاه وسلّمه من هذه الآفات التي أصيب بها أو فعلها هذا المبتلى. ولكن يجب الانتباه ألا يسجد أمام ذلك المبتلى بل ينتظر حتى يبتعد من أمامه أو يتنحى هو في ناحية ويسجد.
– هل لسجود الشكر من شروط؟
اعلمي أخية أنه لا يشترط لسجود الشكر ما يشترط للصلاة من طهارة من الحدث، وطهارة الثوب والبدن والمكان من النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة، كما أنه لا يجب فيه تكبير أو تشهد أو سلام، ولا يجب فيه ذكر معين، وإنما يشرع للساجد أن يقول في سجوده ما يناسب المقام، حمدًا لله وشكرًا له. بل إن للحائض من النساء فعله، إذا حصل ما يسرها، أو اندفع ما يضرها دون أدنى حرج عليها، وهذا قول أكثر أهل العلم رحمهم الله وقد اختاره كثير من مشايخنا.