
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن من عرف هذه الدنيا على حقيقتها، علم أنها دار المصائب والشرور، وليس فيها لذة على الحقيقة لكنها مشوبة بالكدر، وعمارتها وإن حسنت صورتها فهي خراب، قال الشاعر:
| طبعت على كدر وأنت تريدها | ||
| صفوًا من الأقذار والأكدار | ||
لذلك فإن العبد في هذه الدار لا يستغنى عن الصبر في أي حال من أحواله، فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله، فلا بد له من الصبر عليه، وبين نهي يجب عليه اجتنابه، فلا بد له من الصبر عنه، وبين قضاء فيه بلية يجب الصبر عليه، وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات، قال سبحانه وتعالى: }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ{ [البلد: 4]، يكابد مضايق الدنيا،وشدائد الآخرة.
ومنزلة الصبر من من أعظم المنازل التي حض عليها الإسلام،وجعل الله جزاءها من أعظم الجزاء }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ [الزمر: 10]، وقال r: «والصلاة نور والصبر ضياء».
قال الشيخ ابن عثيمين: (فالصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره،ولهذا تجد أكثر الناس نورًا في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل، فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهنا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرص عليها، وأن يكثر منها حتى يكثر نوره، وعلمه، وإيمانه، وأما الصبر فقال إنه (ضياء) أي فيه نور، لكن نور من حرارة كما قال الله }هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا{ [يونس: 5]، فالضوء لا بد فيه من حرارة، وهكذا الصبر لا بد فيه من حرارة وتعب؛ لأن فيه مشقة كبيرة، ولهذا كان أجره بغير حساب، فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر: أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلبي، والبدني في بعض الأحيان ) ولأهمية الصبر سنتعرض لتعريفه وأقسامه، وما يهون المصائب وممرات الصبر.