
ومما ينبه له هنا وهو من باب التسخط على المصيبة: قيام بعض النساء بترك الزينة والطيب ربما أيامًا طويلة أو شهورًا حزنًا على وفاة أخ، أو أب، أو غير ذلك أو التغيب عن الوظيفة نحو أسبوع أو ترك حضور الولائم مدة طويلة، كل ذلك لا يجوز أكثر من ثلاث ليالٍ () لما ورد عن أم حبيبة رضي الله عنها لما توفي أبوها (سفيان بن حرب) دعت بطيب، ثم مسحت بعارضيها بعد مرور ثلاث ليال، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله r يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا».
طعام المصاب: في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر بالتلبينة للمرضى ، وللمحزون على الهالك وتقول: إن رسول الله r يقول: «التلبينة محمة لفؤاد المريض تذهب الحزن» التلبينة: حساء من دقيق أو بحالة، ومحمة: مريحة له: أي تريحه وتسكنه من الإجمام والراحة.
ومن المصائب: استطالة الناس، وكثرة القيل، والقال، ولا بد هنا من الصبر، ولذلك بوب البخاري (باب الصبر على الأذى) وقول الله تعالى: }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ [الزمر: 10]، ثم أورد حديث عن أبي موسى عن النبي r قال: «ليس أحد – أو ليس شيء – أصبر على الأذى من الله إنهم ليدعون له ولدًا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» وذكر البخاري في صحيحه أن رسول الله r قسم قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله ! فلما أخبر النبي r بقوله قال: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر».
قال ابن حجر: ( باب الصبر في الأذى) (أي: حبس النفس على التألم بما يفعل بها، ويقال فيها، ولهذا شق على النبي r نسبتهم له إلى الحور في القسمة، لكنه حلم عن القائل، فصبر لما علم من جزيل ثواب الصابرين، وأن الله يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرًا من المنفق لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة والحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلى من يشاء الله أن يزيده ).اهـ.
ويقول سبحانه: }فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ{ [الشورى: 10]، قال الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة ناد مناد من بطن العرش ألا ليقم من وجب أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح،ويقول سبحانه: }ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{ [فصلت: 34-35]، أي وما يقبل بهذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس وما يلقاها إلا ذو نصيب افر من السعادة في الدنيا والآخرة.
وقد عمل السف بهذه الوصية العظيمة، فيذكر أن رجلاً شتم ابن عباس رضي الله عنهما فلما قضى قال ابن عباس يا عكرمة انظر للرجل حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى، ولما استطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال له رجل: مه قال أبو معاوية: دعه يستشفي ثم قال: اللهم اغفر الذنب الذي سلطت علي به، وقال سبحانه في سورة لقمان }وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ{ [لقمان: 17] علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى فأمره بالصبر.
ومما ينبه إليه في هذا المقام أنه لا يجوز هجر المسلمين لأمور دنيوية أكثر من ثلاث ليالٍ، كما قال r: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» قال ابن حجر قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص، وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عفي عنه في ذلك لأن الآدمي مجبول على الغضب فسمح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض) وقوله r: «خيرهما الذي يبدأ بالسلام» قال ابن حجر: زاد الطبري من طريق أخرى عن الزهري (يسبق إلى الجنة) ولأبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «فإن مرت ثلاث فلقيه فليسلم عليه فإن رد عليه فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجر».
من المصائب المرض: قال ابن أبي الدنيا: كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة مامضى من الذنوب، وقال عروة بن الزبير لما قطعت رجله الآكلة: إنه مما يطيب نفسي عنك أني لم أنقلك إلى معصية الله قط. واشتكى ابن أخي الأحنف بن قيس من وضع ضرسه، فقال له الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتها لأحد. وعن مسلم بن يسار: كان أحدهم إذا برئ قيل له: ليهنك الطهر، يعني الخلاص من الذنوب، ويذكر أن إحدى نساء السلف أنها لما جرحت يدها جرحًا شديدًا، فلم يظهر عليها التأثر، فقيل لها في ذلك قالت: حلاوة أجرها أنستني مرارة طعمها.
ومن المصائب: كل ما أهم المؤمن: ورد عن امرأة من العابدات في البصرة أنه كانت تصاب بالمصائب، فلا تجزع فذكروا لها ذلك فقالت: ما أصاب بمصيبة فأذكر معها النار، إلا صارت في عيني أصغر من الذباب، وفي الحديث عنه r: «اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما يهون علينا مصائب الدنيا» ومن اليقين: أي ارزقنا اليقين بك وأنه لا راد لقضائك وقدرك «ما يهون علينا مصائب الدنيا» بأن تعلم أن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب ثواب وأنك لا تفعل بالعبد شيئًا إلا وفيه صلاحه قال ابن الجوزي: (لو أن ملكًا قال لرجل فقير:كلما ضربتك بهذا العود اللطيف ضربة أعطيتك ألف دينار لأحب كثرة الضرب لا لأنه لا يؤلم، لكن لما يرجو من عاقبته وإن أنكاه الضرب). فكذلك السلف تلمحوا الثواب فهان عليهم البلاء.
ما يهون المصيبة:
1- لا بد أن يعلم المصاب أن الذي ابتلاه بالمصيبة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل البلاء ليهلكه ولا ليعذبه، وإنما ابتلاه به ليمتحن صبره، ورضاه عنه، وإيمانه، ويسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحًا على بابه لائذًا بجنابه، مكسور القلب بين يديه رافعًا قصص الشكوى إليه، إن كان غافلاً فحري به أن يرجع إلى الحق، وإن كان تقيًا كان ذلك سببًا لرفع درجاته، قال الفضيل : إن الله عز وجل ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير }وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{ [البقرة: 155].
2- أن المصيبة قد قدر وقوعها العليم الحكيم كما قال r: «كتب الله مقادير الخلائق قل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»، وقوله r في الحديث الصحيح: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل أجلها» وقال سبحانه: }مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ{ [الحديد: 22]. ويقول r: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك» قال ابن حجر: (أنه قد فرغ مما أصابك أو أخطأك من خير أو شر، فما أصابك فأصابته لك محتومة، ولا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه، محتومة، فلا يمكن أن يصيبك، لأنها سهام صائبة وجهت من الأزل، فلا بد أن تقع مواقعها) وقال الحسن: نعم والله أن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب لها أجلاً أنه كائن في يوم كذا وكذا، في ساعة كذا، وكذا في الخاصة والعامة، حتى أن الرجل ليأخذ العصا، ما يأخذها إلا بقضاء وقدر، وقال ابن مسعود: (إن أول شيء خلقه الله عز وجل القلم فقال له: اكتب فكتب كل شيء يكون في الدنيا إلى يوم القيامة فيجمع بين الكتاب الأول، وبين أعمال العباد، فلا يخالف ألفًا ولا واوًا أو ميمًا ).
وقال ابن عباس في قوله سبحانه: }فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ{، يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر، حتى الحجاج يقال: يحج فلان ويحج فلان، وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، وهذا التقدير السنوي في ليلة القدر كالتفصيل من القدر السابق.
يقول ابن القيم في شفاء العليل: (وفي ذلك دليل على كمال علم الرب وقدرته، وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته،وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه، وقد قال سبحانه: }إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ{ [الجاثية: 29]، وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ فتنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها فيجدون ذلك موافقًا لما يعملونه فيثبت الله تعالى منه ما فيه ثواب، أو عقاب، ويطرح منه اللغو).
3- أن الصبر على المصيبة كنز عظيم من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم، فقد ابتلي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصبروا، بل أنهم من أشد الناس ابتلاءًا كما قال r: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلوهم ثم الذين يلوهم».