
فالصبر سمة الأنبياء والصالحين قال سبحانه: }وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ{ [الأنبياء: 85]، وقد أثنى الله على أيوب عليه السلام لما ابتلي بالمرض فصبر: }إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ{ [ص: 44]، قال ابن القيم في عدة الصابرين: (فأطلق عليه نعم العبد لكونه وجده صابرًا وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلي فإنه بئس العبد).
4- التسلية في بيان رحمة الله، وأن رحمته سبحانه وسعت كل شيء، وأنه كتب على نفسه الرحمة «وغلبت رحمتي غضبي».
5- العلم بأن المصاب ليس أول من أصيب بهذه المصيبة وهذا مما يهون وقع المصيبة عليه ولذلك أهل النار أغلق الله عز وجل عليهم الباب قال سبحانه: }وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ{ [الزخرف: 39]، وذلك زيادة في عذابهم، فمن فقد ولده فليحمد الله أن أبقى له أولاده الآخرون، ومن أصيب بمرض فليتذكر من هو أشد منه مرضًا.
ذكر ابن الجوزي في عدة الصابرين قصة عروة بن الزبير لما قطعت قدمه جعل يقبلها ثم قال: أما الذي حملني عليك أنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية، ولا إلى ما لا يرضى الله، ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين، فلما رآه ابن طلحة قال له:قد أبقى الله أكثرك عقلك، ولسانك، وبصرك، ويداك، وإحدى رجليك، فقال له: 0ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به).
قال شريح رحمه الله: (إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، إذ لم يجعلها في ديني).
6- ومما يهون المصيبة أن الله سبحانه قد أراد بعبده المبتلى خيرًا كما قال r: «إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده شرًا أمسك عنه بذنبه حتى يوفى به يوم القيامة» يقول الشيخ ابن عثيمين تعليقًات على هذا الحديث: (الإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، إما بماله، أو بأهله، أو بنفسه، أو بأحد ممن يتصل بهم، المهم أن تعجل له العقوبة، لأن العقوبات تكفر السيئات، فإذا تعجلت العقوبة، وكفر الله بها عن العبد، فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب،وقد طهرته المصائب، والبلايا حتى أنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين، عليه حتى يخرج من الدنيا نقيًا من الذنوب، وهذه نعمة لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، لكن إذا أراد الله بعبده شرًّا مهل له، واستدرجه، وأدر عليه النعم، ودفع عنه النقم حتى يبطر، ويفرح فرحًا مذومًا بما أنعم الله به عليه، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته، فيعاقب بها في الآخرة، نسأل الله العافية ).اهـ.
ثمرات الصبر:
1- جعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين }وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ{ [السجدة: 24].
2- تسليم الملائكة على الصابرين في الجنة: }سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ{ [الرعد: 24]، قال الفضيل: صبروا على ما أمروا به،وصبروا عما نهو عنه، وقد وصف الله في كتابه أهل الجنة بالصبر }الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ{ [آل عمران: 17].
3- إن الله جمع أمورًا للصابرين لم يجمعها لغيرهم }أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{ [البقرة: 157]، فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين.
4- معية الله للصابرين }وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ{ [البقرة: 249].
5- نيل الأجر بغير حساب، كما قال الله: }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ [الزمر: 10]. قال سليمان بن القاسم:كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر: }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ قال: كالماء المنهمر، وقال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال لهم، وإنما يغرف لهم غرفًا، ويقول الشيخ ابن عثيمين تعليقًا على هذه الآية: (يعطون أجرهم بغير حساب لأن الأعمال الصالحة مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها على سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، أما الصبر فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من الله، وهذا يدل على أن أجره عظيم).
قال بعض السلف: إذا أعجبتك نفسك في قيام الليل فتذكر من هم أرفع منزلة منك، نائمون على فرشهم، هم أهل البلاء الصابرون.
6- الأجر العظيم للمصاب وإن تقادم عهد المصيبة، كما قال r: «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب» صحيح الجامع.
7- إن الصبر سبب لهداية القلوب، وزوال قسوتها، وحدوث رقتها، وانكسارها، فكم من غافل رجع إلى ربه عندما أصيب بمرض ؟ كم من لاه أقبل على مولاه عندما أصيب بفقد عزيز ويقول سبحانه: }وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ{ [التغابن: 11] قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى المسلم ومعنى الآية: أن من أصابته مصيبة فعلم أنها من قدر الله فصبر، واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه خيرًا منه كما قال سبحانه: }وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ{ [البقرة: 155- 156].
8- أن الصبر سبب في دخول الجنة، قال سبحانه: }إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ{ [المؤمنون: 111]، }أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ{ [آل عمران: 142]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعطاء: ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت: بلى قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي r وقالت: إني أصرع وإني أنكشف فادع الله لي قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك» ، قالت: أصبر، قالت: إني أنكشف فادع الله أن لا أنكشف، فدعا لها.
وفي الحديث القدسي: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة» حبيبتيه: عينيه.
9- أنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام، ومقامات الإيمان كلها مقرونة بالصبر }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ{ قرنه بالأعمال الصالحة عمومًا: }إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ{ [العصر: 3]، وجعله قرين التقوى: }إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ{، وجعله قرين الشكر }إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ{ [إبراهيم: 5]، وجعله قرين الصدق، }وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ{.اهـ. ابن القيم في عدة الصابرين.
10 – فتح أبواب من العبادات للمؤمن الصابر كالدعاء، والإخلاص، والإنابة: }وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ{ [الزمر: 8]،ومما يروى في هذا المجال أن أحد السلف لما برئ من مرضه فجاءوا يهنئونه، فلما فرغ الناس من كلامهم قال الفضل بن سهل: إن في العلل لنعمًا لا ينبغي للعاقل أن يجهلها: تمحيص للصبر، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، واذكار بالنعمة في الحال الصحة، واستدعاء للمثوبة وحض على الصدقة) وقد ذم الله أقوامًا لم يتضرعوا لله في حال البلاء }وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ{ [المؤمنون: 76].
11- محبة الله للصابرين }إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{ [البقرة: 153] (دليل على أنه معان من قبل الله،وأن الله يعين الصابر ويؤيده ويكلؤه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله) ابن عثيمين.
12- محاسبة النفس والرجوع بها إلى فيء الطاعة قال بعض السلف: إنما جعلت العلل ليؤدب الله عباده (فالمؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعد كثرة دعائه، وتضرعه، ولم يظهر عليه أثر الإجابة، يرجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خيرًا لأجبت، وهذا اللوم أحب إلي من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه أهل لما نزل به من البلاء وأنه ليس بأهل لإجابة الدعاء فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله).اهـ. ابن رجب.
13- إن الصابر لا يغفل عن تعدد النعم: }وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا{ [إبراهيم: 34]، قال بعض السلف: ذكر النعم يورث الحب لله، لما رأى رجل قرحة في يد محمد بن واسع ففزع منها قال له: (الحمد لله أنها ليست في لساني، ولا على طرف عيني) ورأى رجلٌ فقيرًا، مريضًا، كفيفًا مقعدًا وهو يردد: الحمد لله الذي فضلني على كثير من عباده فقال: يرحمك الله وبماذا فضلك ؟ قال: رزقني لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وجسدًا على البلاء صابرًا، وأذكر في هذا المقام قصة إحدى الأخوات أصيبت بمرض نفسي فذهبت إلى طبيب نفسي فقال لها: اكتبي النعم التي تتمتعين بها، واكتبي المصائب، التي تعانين منها، تقول بعد عودتي، أخذت القلم لأكتب النعم والمصائب، فاستحييت كم يا ترى ستأخذ النعم من وقتي لأكتبها، وكم ستأخذ مني المصائب إنها لا تتجاوز الصفحة!! قال سبحانه: }إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ{ [العاديات: 6]، قيل في تفسيرها: الكنود الذي يعد المصائب وينسى النعم.
14- تكفير السيئات وزيادة الحسنات، قال بعض السلف: لولا المصائب لوردنا الآخرة مفاليس، وقال r: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب،ولا هم،ولا حزن، ولا أذى،ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» قال الحراني: (يكفر عنه بالشوكة يشاكها، حتى بالقلم الذي يسقط من الكاتب فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه، وآخرته، حتى يموت على طهارة من دنسه، وفراغ من جناياته، كالذي يتاعهد ثوبه وبدنه بالتنظيف ) يقول ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين: (فإذا أصبت بمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك،ولو كان شوكة لا تظن أنه يذهب سدى، بل ستعوض عنه خيرًا منه، ستحط عنك الذنوب،كما تحط الشجرة ورقها، وهذا من نعمة الله.
وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر ( الاحتساب): أي احتساب الأجر كان له هذا الأجر، فالمصائب تكون على وجهين:
أ- تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله، فيكون فيها فائدتان: تكفير الذنوب وزيادة الحسنات.
ب- وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره، ويغفل عن نية الاحتساب والأجر على الله، فيكون في ذلك تكفيرًا لسيئاته، وإذا هو رابح، على كل حال، في هذه المصائب التي تأتيه فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب، بدون أن يحصل له أجر، لأنه لم ينوي شيئًا ولم يصبر ولم يحتسب الأجر، وإما أن يربح شيئين مما تقدم، ولهذا ينبغي للإنسان إذا أصيب ولو بشوكة فليتذكر الاحتساب من الله على هذه المصيبة وهذا من نعمة الله سبحانه وجوده، وكرمه حيث يبتلى المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى، أو يكفر عنه سيئاته فالحمد لله رب العالمين ) اهـ.
15- إن النصر مع الصبر،وأن الفرج مع الكرب، كما قال ذلك صلى الله عليه وسلم، ويشمل النصر في الجهادين جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيها نصر، وظفر بعدوه، ومن لم يصبر فيها وجزع وقهر صار أسيرًا لعدوه، أو قتيلاً له.
ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى حصل للعبد الإياس من كشفه، من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده،وهذا هو حقيقة التوكل على الله ومن أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال: }وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{ [الطلاق: 3].
نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون مع الصابرين والشاكرين العابدين، المتقين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى.