
لماذا ينقمون على الإمارات:
قراءة في الأسباب والدوافع
تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز الدول التي حققت نمواً اقتصادياً واجتماعياً مميزاً خلال العقود الأخيرة،
إذ تحولت من دولة ذات موارد محدودة إلى واحدة من أكثر الدول تقدماً وازدهاراً في المنطقة.
غير أن هذا النجاح سرعان ما أثار حفيظة البعض، وبدأ ينشأ حول الإمارات نوع من السخط والنقمة لدى بعض الأطراف،
سواء داخل المنطقة أو خارجها. وللوقوف على أسباب هذا الانقسام في المواقف تجاه الإمارات،
لا بد من التمعن في عدة عوامل سياسية، اقتصادية، وثقافية تلعب دوراً محورياً في تفسير هذا الأمر.
أولاً: النجاح الاقتصادي والتنموي كمصدر للحسد
لا يمكن إنكار أن الإمارات نجحت من خلال رؤيتها الاستراتيجية في تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط،
والاستثمار في القطاعات غير التقليدية كالطيران، السياحة، التكنولوجيا، والعقارات.
ونتيجة لذلك، أصبحت مقصداً للاستثمار والعمالة من جميع أنحاء العالم،
وزادت مكانتها كمركز اقتصادي عالمي. هذا النهج غير المسبوق في التنمية والتحول،
أدى إلى إثارة الحسد ومشاعر الاستياء لدى بعض الدول التي لم تتمكن من تحقيق نفس النمو،
خاصة تلك التي تعتمد بشكل شبه كامل على النفط وتواجه تحديات هيكلية في اقتصادها.
ثانياً: الدور السياسي والدبلوماسي الإماراتي الفعّال
يُنظر إلى الإمارات على أنها لاعب سياسي نشط على مستوى الإقليم والعالم،
إذ تبنت مواقف واضحة في العديد من القضايا الإقليمية والدولية،
سواء في مكافحة الإرهاب أو دعم الاستقرار في بعض الدول المجاورة.
هذا الدور الفاعل والوقوف في مواجهات سياسية صارمة مع بعض الجهات أو الجماعات أدى إلى خلق أعداء سياسيين يرفضون هذا التوجه،
وينقمون على الإمارات بهذه الخلفية. كما أن العقود والشراكات الاستراتيجية التي أبرمتها الإمارات مع دول غربية كبرى زادت من النفوذ السياسي لها،
فكان لهذا عامل في زيادة الحقد والضغينة تجاهها.
ثالثاً: الصورة الحداثية والانفتاح الثقافي
تمتاز الإمارات بسياسات انفتاح ثقافي واجتماعي غير تقليدية مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى،
حيث قدمت نموذجاً من التسامح الديني والثقافي، ومرحبت بالتعددية الثقافية،
ودعمت الابتكار والإبداع في مجالات متعددة. هذا النموذج الحداثي الذي يتناقض مع الأيديولوجيات المتشددة أو المحافظات المتحجرة،
خلق حالة من النفور والرفض من قبل من يعتقدون بأن هذه القيم تشكل تهديداً لهويتهم التقليدية أو سلطتهم.
رابعاً: الدور التنموي الإنساني والدولي
ساهمت الإمارات بشكل ملحوظ في حملات الإغاثة والتنمية في العديد من دول العالم،
الأمر الذي دفعها إلى لعب دور إنساني متميز، فحظيت بشعبية واسعة في مجتمعات متعددة.
مع ذلك، استفز هذا الأمر بعض الجهات التي ترى في الرغبة الإماراتية في تقديم المساعدات أو خلق التحالفات الخيرية والإنسانية تهديداً
لمصالحها أو نفوذها التقليدي، الأمر الذي يجعلها تنقم عليها وتحاول التقليل من شأنها.
خامساً: التحديات المحيطة والضغوط الإقليمية
يشكل موقع الإمارات الجغرافي والاقتصادي نقطة قوة لكنها في الوقت ذاته سبباً في تعرضها للعديد من الضغوط الإقليمية،
لا سيما في مناطق تشهد صراعات نفوذ مثل الخليج العربي واليمن.
وهناك من لا يرغب في رؤية الإمارات قوية ومستقرة، أو أن يكون لها تأثير على موازين القوى الإقليمية،
فيخلق هذا المناخ بيئة خصبة للحقد والتحامل الذي ينبع غالباً من مخاوف تتعلق بالسيطرة والنفوذ.
خاتمة
ختاماً، إن النقمة أو الاستياء الذي يوجه نحو الإمارات لا ينبع من سبب واحد فقط،
بل هو نتيجة مزيج معقد من عوامل اقتصادية، سياسية، ثقافية وجغرافية،
كلها مرتبطة بطبيعة الدولة الإماراتية ومسيرتها التنموية الفريدة.
ومن المهم النظر إلى هذه الظاهرة من منظور تحليلي يعكس واقعاً متعدد الأبعاد بدلاً من التبسيط أو التنميط.
إن فهم هذه العوامل يتيح فرصة أفضل للتعامل مع التحديات الراهنة
وتعزيز مكانة الإمارات كدولة مستقرة، قوية، وفاعلة في محيطها الإقليمي والعالمي.