
حين قرأتُ كتاب “زمن الصحوة”، وجدتُ نفسي أمام عمل غاية في العمق والأهمية، يسلط الضوء على مرحلة تاريخية فريدة أثرت بشكل بالغ في المجتمعات الإسلامية والعربية خلال العقود الأخيرة. هذا الكتاب، الذي تناول ما يُعرف بـ”الصحوة الإسلامية”، يتجاوز مجرد السرد التاريخي ليقدم تحليلاً نقدياً متماهياً مع التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها المنطقة. في هذه المراجعة، أود أن أقدم قراءة موضوعية تجمع بين تقدير المزايا ونقد بعض الجوانب التي تستحق التأمل.
أولاً، لا بدّ من الإشادة بأسلوب الكاتب المتميز، الذي اتسم بالوضوح والموضوعية، دون انحياز ظاهر لموقف معين. لقد استطاع أن يدمج بين الطابع الأكاديمي والتحليل الاجتماعي، مما سهل على القارئ الجامعي متابعة الأفكار وفهم السياقات المعقدة التي تحيط بظاهرة الصحوة. كذلك، فإن استفادته من مصادر متنوعة، سواء كانت سياسية أو دينية أو ثقافية، أضفت على الكتاب مصداقية وعُمقاً بحثياً لافتين.
أما من حيث المحتوى، فقد تناول الكاتب نشأة الصحوة الإسلامية في مختلف البلدان العربية، مسلطاً الضوء على الأسباب التي دفعت الشعوب إلى التوجه نحو التعاطي مع الدين بطريقة أكثر تأثيراً وحضوراً في الشأن العام. ولا شك أن تحليل هذه الأسباب – التي تتراوح بين التخبط السياسي، الفقر، الاغتراب الثقافي، والمسألة الهوية – تمت بشكل دقيق ومقنع. أحببت في هذا السياق كيف أن الكتاب أظهر الصحوة ليس كظاهرة متجانسة، بل كمجموعة من التيارات والتجليات التي تختلف باختلاف البلد والمنطقة.
إضافة إلى ذلك، لم يكتف الكاتب بسرد الأحداث، بل تناول نقدياً الآثار المختلفة للصحوة على المجتمع والسياسة. لقد أشار إلى الدور الإيجابي للصحوة في تحفيز الناس على التمسك بالقيم الأخلاقية والدينية، ومنحهم شعوراً بالقوة والهُوية في مواجهة التحديات الحديثة. وفي نفس الوقت، لم يغفل الآثار السلبية، مثل بعض الانغلاق الفكري، وتصاعد الخطابات المتشددة التي أدت أحياناً إلى توترات مجتمعية ومذهبية. هذا التوازن في الطرح جعلني أشعر أن الكاتب يسعى إلى تقديم رؤية متوازنة بعيداً عن الأحكام المسبقة.
مع ذلك، هناك بعض النقاط التي شعرت بأنها كانت بحاجة إلى تعميق أكبر. فمثلاً، كان يمكن للكتاب أن يستعرض بشيء من التفصيل تأثير الصحوة على حقوق المرأة في المجتمعات الإسلامية، حيث أن هذه القضية تمثل محوراً هاماً في النقاشات المعاصرة حول الدين والدولة. كما أنني وجدت أن بعض الفصول ركزت بشكل كبير على دول معينة، مثل السعودية ومصر، على حساب دول أخرى كالأردن والمغرب التي شهدت تجليات مختلفة للصحوة، مما فُقد معه الكليّة في تغطية المشهد الإقليمي.
من الناحية النظرية، كنت أتمنى من الكاتب أن يرفق تحليلاته بنماذج من الدراسات الاجتماعية أو السياسية الحديثة التي تناولت الصحوة من منظور علمي أكثر تجريداً، كي يندرج كتابه ضمن الدراسات النقدية ذات البعد الأكاديمي الرفيع، بدلاً من أن يبقى في إطار السرد التحليلي فقط. هذا بالطبع لا يقلل من جودة العمل، لكنه كان سيجعله أكثر إقناعاً خاصةً لقرّاء البحث الجامعي.
يحلل ستيفان لاكروا الصراع بين تيار الصحوة والتيار الديني التقليدي في السعودية باعتباره صراعًا على السلطة الدينية والاجتماعية، وليس مجرد خلاف فكري أو مذهبي. يوضح لاكروا أن الصحوة، التي نشأت من تداخل الوهابية مع فكر الإخوان المسلمين، سعت إلى تجديد الخطاب الديني وتوسيعه ليشمل قضايا اجتماعية وسياسية معاصرة، بينما ظل التقليديون متمسكين بالدور الديني الكلاسيكي المرتبط بالفتوى والتعليم الشرعي التقليدي.
يرى لاكروا أن الصحوة حاولت كسر احتكار المؤسسة الدينية الرسمية للسلطة الرمزية في المجتمع، من خلال تقديم خطاب ديني أكثر حيوية وتأثيرًا على الشباب والطبقات المتعلمة، وطرح قضايا مثل العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي ضمن إطار إسلامي. هذا أدى إلى توترات مع التقليديين الذين رأوا في الصحوة تهديدًا لمكانتهم ومرجعيتهم، خاصة مع اتساع نفوذ رموز الصحوة في الإعلام والتعليم والمساجد.
كما يشير لاكروا إلى أن الصراع لم يكن دائمًا صريحًا، بل اتخذ أحيانًا شكل منافسة خفية على الجمهور والشرعية، وأحيانًا أخرى تحالفًا مرحليًا في مواجهة تيارات ليبرالية أو إصلاحية أخرى. ويبرز أن هذا الصراع ساهم في تشكيل المجال الديني والاجتماعي في السعودية لعقود، وأثر في طبيعة العلاقة بين الدولة والتيارات الدينية المختلفة، حيث استخدمت السلطة أحيانًا هذا التنافس لضبط التوازنات الداخلية.
تعريف بالكتاب وأهميته
“زمن الصحوة: الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية” هو أول بحث أكاديمي موسع يتناول تاريخ وبنية الحركات الإسلامية في المملكة العربية السعودية، من منتصف القرن العشرين حتى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. المؤلف ستيفان لاكروا، الباحث الفرنسي المتخصص في الشأن السعودي، قضى ست سنوات في إعداد الكتاب، معتمدًا على عشرات المقابلات والمصادر الوثائقية، ما جعله مرجعًا مهمًا لكل من يدرس الحركات الإسلامية في السعودية
محتوى الكتاب وأبرز أطروحاته
ينطلق لاكروا من خلفية تاريخية عن نشأة المملكة وتطورها، ثم يتتبع انتقال الناشطين الإسلاميين من دول عربية إلى السعودية، وتشكيلهم لحركة “الصحوة” التي جمعت بين السياسة والدين. يرصد الكاتب تطور الصحوة بوصفها مزيجًا من الوهابية وإيديولوجيا الإخوان المسلمين، ويحلل روافدها الفكرية، وأبرز محطاتها، وانقساماتها، وعلاقتها المتغيرة مع السلطة السياسية، إضافة إلى صراعاتها مع التيارات الليبرالية والحداثية داخل المجتمع السعودي
- دور النظام التعليمي في انتشار الصحوة.
- محاولة الصحوة للسيطرة على المجال الاجتماعي.
- موقفها من قضايا الجهاد، وتحديدًا الجهاد الأفغاني، حيث يبرز تردد قيادات الصحوة حيال المشاركة المباشرة في الجهاد العالمي مقابل التركيز على العمل المحلي
- انتفاضة بريدة بعد حرب الخليج، التي يرى المؤلف أن فشلها لم يكن نتيجة القمع الحكومي فقط، بل أيضًا بسبب افتقار الصحوة لهياكل تعبوية قادرة على مواصلة الحشد الجماهيري
المنهجية والمصادر
على الرغم من الجهد الكبير في جمع المصادر وإجراء المقابلات، إلا أن هناك نقدًا منهجيًا للكتاب بسبب اعتماده في بعض الفصول على مصادر أحادية أو شهادات محدودة، ما قد يؤدي إلى تضخيم أدوار بعض الشخصيات أو المبالغة في تفسير بعض الأحداث. مثال ذلك الاعتماد شبه الكلي على ناصر الحزيمي في الحديث عن الجماعة السلفية المحتسبة، أو على سليمان الضحيان وسليمان الرشودي في أحداث انتفاضة بريدة.
النقد الفكري والتحليلي
- مفاهيم الصراع والمنافسة: يلاحظ أن لاكروا يفسر الحراك الإسلامي في السعودية في إطار صراع على السلطة الدينية والاجتماعية، ويرى أن الإسلام في السعودية هو “اللغة الأساسية للتعبير عن المنافسات الاجتماعية”، وهو ما يعتبره بعض النقاد تجاهلًا لجوانب التعاضد والتكامل داخل التيار الإسلامي، وتصويرًا سلبيًا مبالغًا فيه للواقع.
- التفسير الاقتصادي والاجتماعي لصعود الصحوة: ينتقد بعض القراء محاولة لاكروا ربط نشوء جيل الصحوة بالمتغيرات الاقتصادية (انخفاض أسعار النفط، البطالة، إحباط الشباب)، معتبرين أن هذا التفسير يغفل البعد التربوي والدعوي الذي كان له دور كبير في نشأة الصحوة، ويختزل الظاهرة في عوامل اقتصادية واجتماعية سطحية
- التحليل الغربي للظاهرة الإسلامية: هناك اتهام للكاتب بعجز المنهج الغربي عن فهم دوافع ومواقف الحركات الإسلامية، والاعتماد على نماذج تفسر الظواهر الدينية والاجتماعية من منظور صراعي أو مادي بحت، مع إغفال الأبعاد الروحية والثقافية
إيجابيات الكتاب
- التوثيق الدقيق: الكتاب يوثق مرحلة معقدة من تاريخ السعودية لم تحظ بدراسات أكاديمية معمقة من قبل.
- تعدد الزوايا: يقدم تحليلات متنوعة حول علاقة الصحوة بالسلطة، والمجتمع، والتيارات الأخرى.
- مرجعية مهمة: أصبح مرجعًا أساسيًا لكل من يكتب أو يبحث في تاريخ الحركات الإسلامية في السعودية
سلبيات الكتاب
- أحادية بعض المصادر: الاعتماد على شهادات محدودة في بعض الأحداث أدى إلى تضخيم أو اختزال أدوار شخصيات أو تيارات
- تغليب منظور الصراع: التركيز على الصراع والمنافسة الاجتماعية والدينية أضعف من إبراز جوانب التكامل والإصلاح التي ميزت الصحوة في بعض مراحلها.
- تفسيرات اقتصادية واجتماعية سطحية: اختزال نشوء الصحوة في عوامل اقتصادية واجتماعية دون تعمق كافٍ في البعد الديني والتربوي
خلاصة
في الختام، أعتبر “زمن الصحوة” إضافة قيمة لمكتبة الباحث العربي والمهتم بالشؤون الإسلامية والتاريخ المعاصر. هو كتاب يُنصح به لمن يريد فهماً معاصراً وشمولياً لفترة مهمة من مسيرة الأمة، والتي ما زالت تتفاعل أصداؤها إلى يومنا هذا. رغم بعض النقائص التي يبرزها النقد، فإن قوة الكتاب تكمن في وضوح رؤيته، والنزاهة في الطرح، والقدرة على طرح معضلات معقدة بأسلوب يمكن الوصول إليه وفهمه من قبل القارئ الجامعي. وإن كانت الصحوة في مفهومها الواسع ظاهرة صعبة التحديد، فإن هذا العمل ينجح في تقديم سرد منطقي وتسلسل تحليلي يجعله قطعة مهمة في مكتبة الدراسات العربية والإسلامية المعاصرة.
اقتباسات من كتاب ” زمن الصحوة ”
مجموعة من الاقتباسات والمقاطع البارزة من كتاب “زمن الصحوة” لستيفان لاكروا، تعكس منهجه التحليلي وأبرز أفكاره حول نشوء وتطور الحركات الإسلامية في السعودية ودور الصحوة في المجتمع:
“لا يمكننا الحديث عن الصحوة وكأنها ماضٍ، الصحوة لم تنتهِ، وكل الهجوم الذي تعرضت له في السنوات الماضية، والدفاع المستميت الذي حظيت به، لا يجعلها تختفي، إنه فقط يجعل البعض يلقي بالتسمية بعيداً بعدما تلوثت، أو صارت مشبوهة، فقدت هيبتها وقيمتها في المجتمع، ويقفز على أعنة اسم جديد وتيار جديد، إنها لعبة الأسماء والمفاهيم، التي لا يمكن أن تتغير جذرياً، بلا دراسة نقدية واضحة تتعرض للأسس…”.
“يرصد لاكروا بدأب تطور الصحوة التي يصفها بأنها مزيج من الوهابية وإيديولوجيا الإخوان، فيبدأ من وصول الإخوان إلى السعودية، وتغلغلهم في النظام التعليمي، وبالتالي نشوء الصحوة وانتشارها وصبغها للمجتمع السعودي بصبغتها…”
“يركز لاكروا بعد هذا على محاولات السيطرة على المجال الاجتماعي، ويرصع الفصول التي تناولت هذا بكل الأسماء المعروفة والمشهورة من العلماء والدعاة، ويتناول صراع الصحوة مع الليبراليين والحداثيين…”.
“هزيمة انتفاضة الصحوة وتبددها لم تكن بسبب القمع الحكومي، وإنما لأنها بكل بساطة لم تكن تمتلك القدرة على مواصلة تعبئة الناس وشحنهم، الصحوة كانت بلا هياكل تعبوية، وهذا ما جعل الانتفاضة تفقد زخمها وقوتها وتأثيرها على الناس، وقدرتها على تعبئتهم للضغط على الحكومة…”
“تبنى الصحويون في محادثاتهم الخطاب الصحوي الذي يحدد هويتهم على الفور في المناسبات الاجتماعية…”
“الغرض من تحريم الإسبال والأخذ من اللحية وارتداء العباءات التي تغطي الرأس بالنسبة للنساء تعزيز تمايز الحركة في الفضاء الاجتماعي أكثر منه العمل بموجب نص ديني…”
“ولدت حالة الجمود تلك شعوراً بالغضب سيتطور لدى هؤلاء الشباب تجاه الجيل السابق [الذي حصّل امتيازات مالية ووظيفية جيدة] وما يمكن أن ينظر إليه على أساس أنه صراع أجيال عادي يأخذ في السعودية منحنىً أيدلوجياً صارخاً!”