
“ابقَ كما أنت، ولو أوجعوك”
لا تؤذِ أحدًا… حتى لو أوجعك.
قد يبدو هذا الحديث مثاليًا حين يُقال، لكنه أصعب ما يكون حين تعيشه…
وأنت تعلم ذلك جيدًا، أليس كذلك؟
تتذكر حين وثقت، واهتممت، وبنيت في قلبك مكانًا لمن ظننته يستحق،
ثم جاءك الطعن من حيث لم تتوقع، من يدٍ كنت تظنها سَندًا، لا سكينًا.
يومها شعرت بكل شيء ينكسر فيك،
كأن في داخلك مرآة تشظّت فجأة،
لا تعرف كيف تُلملم نفسك، ولا بأي ذنب أُصبت بكل هذا الأذى.
وقفت بينك وبين نفسك، تتصارع مع الألم والغضب والخذلان،
يهمس لك الشيطان: “ردّها له… كما فعل، افعل”،
لكن في داخلك صوتٌ صغير، خافت… لكنه نقي،
يقول لك: “لا تكن مثله… أنت لست هكذا”.
تجلس في غرفتك، تتأمل جرحك،
تفكر بكل الكلمات التي كان يمكنك أن تقولها لتؤذيه،
وبكل الأفعال التي كان بوسعك أن ترد بها الدين،
لكن قلبك الطيب لا يسمح، وضميرك لا يرضى.
لست عاجزًا، بل قررت أن لا تنحدر… وهذا أعظم انتصار.
لأنك تعرف أن الله لا يسألك عما فعلوه بك،
بل عما فعلتَ أنت، بعد أن جُرحت.
هل قابلت الإساءة بإساءة؟
أم صبرت، وتوكّلت، وتركت الخلق للخالق؟
هناك لحظة لا ينساها قلبك أبدًا،
لحظة قررت فيها أن تتجاوز، أن ترفع رأسك رغم انكسارك،
أن تمسح دمعك بيدك، وتقول: “يكفيني أن الله يراني”.
منذ ذلك اليوم تغيّرت،
أصبحت أقوى، لا لأنك لا تتألم، بل لأنك لم تعد تُفكر بالانتقام،
أدركت أن كرامتك لا تُثبت بإذلال غيرك،
وأن العدل لا يأتيك من الناس، بل من السماء.
تعلمت أن الطيبة لا تعني ضعفًا،
وأن الصفح لا يعني غباء،
بل هو شجاعة أن تختار السلام، بينما الحرب سهلة ومُغرية.
أنت اليوم لا تحمل حقدًا، بل حكمة.
لا تسعى لتبرير جرحك، بل لترميم نفسك.
تتعلّم كيف تحب من بعيد، كيف تثق بحذر، كيف تعطي دون أن تذوب.
وتتذكر دائمًا: “أنا مسؤول عن أفعالي، لا عن أفعالهم”.
فابقَ كما أنت… نقيًا، راقيًا، إنسانيًا،
ولا تسمح لأحد، كائنًا من كان،
أن يُفسد جمال روحك.