
الكتابة متنفس وغذاء، وهي الجليس في الوحدة، والأنيس في المحنة، والرفيق حين لا أحد يفهمك.
هي الفضول في الرخاء، والملاذ في الضيق، ومنظِّم الأفكار، ومحرِّك الإبداع، وصوت الروح حين يعجز اللسان.
كنتُ ذات يوم أجلس وحدي، مثقلًا بفكرة عالقة في رأسي، تطرق ذهني بلا هوادة.
كانت الأفكار تتزاحم، تتلاطم، تتصادم… ولا واحدة منها تجرؤ على الخروج إلى السطح.
لم أكن وقتها من عشّاق الكتابة، ولم أظنني يومًا كاتبًا.
كنت أرى أن العقل يكفي، وأن الذهن الواسع قادر على احتواء كل فكرة…
فلماذا أكتب؟ ولماذا أرهق نفسي بما لا أتقنه؟
لكن مع طول التفكير وضيق الصدر، أمسكت هاتفي وفتحت المذكرة.
سأكتب…
لكن ماذا؟
كانت أول كلمة هي الأصعب.
كتبتها… ثم حذفتها… ثم كتبت غيرها… ثم مسحتها.
كنت أريد شيئًا مثاليًا، وكأن أول جملة يجب أن تُخلّد!
لم أكن أعلم أن تلك المثالية…
هي العائق الأول لكل كاتب،
وأنها السبب في وأد الكثير من الكلمات التي وُلدت في القلب ولم تُكتب على الورق.
كم من فكرةٍ نبيلة ماتت في الصمت…
وكم من رسالةٍ كان يمكن أن تُلهِم قلبًا، ولم تخرج لأنها “ليست جاهزة بعد”.
بعد أن كتبت الفقرة الأولى، شعرتُ بشيء يتغير داخلي.
كأن السدّ الذي حجز الأفكار انكسر،
وكأن القلم – رغم بساطته – قادر على ترتيب كل ما كان في ذهني كالفوضى.
فهمتُ حينها أن الكتابة ليست احترافًا، بل صدق.
وليست ترفًا، بل حاجة.
وأنك لست بحاجة لأن تكون كاتبًا محترفًا، بل كاتبًا صادقًا.
اليوم، أكتب هذه الأسطر وأنا متيقّن من شيء:
ابدأ، ولا تنتظر أن تكون عظيمًا، فالعظمة تأتي مع الاستمرار.
اكتب، حتى وإن لم يُعجب أحد بك، فربما تكون كلماتك ترياقًا لقلبك أنت أولًا.
لقد بدأتُ الكتابة متأخرًا، في عمر الثلاثين.
كانت البداية عادية، مجرد تدوين يوميات، وتفريغ خاطر، ثم أهملتها شهورًا، ثم عدتُ إليها.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر:
أصبحت أدرك أن الكتابة ليست حبرًا على ورق، بل أثرٌ في النفس، وذاكرةٌ للمستقبل.
صرتُ أكتب لأفهم نفسي،
لأربط الخيوط بين ما شعرتُ به وما فكّرت فيه،
ولأحفظ لحظاتٍ لو لم أكتبها، لربما ضاعت من الذاكرة كما ضاعت كثير من لحظات العمر.
بعض ما أكتبه أنشره، وبعضه أحتفظ به،
لكن كل كلمة أكتبها… تنقش في نفسي أثرًا،
وتعلّمني أنني لا أحتاج جمهورًا لأكتب، بل أحتاج صدقًا،
ولا أحتاج إشادة الآخرين، بل حاجتي أنا للكتابة.
الكتابة يا صديقي… ليست رفاهية،
بل شفاء لمن أثقله التفكير،
وأنيس لمن أضناه الصمت،
وجسرٌ صغير بين ما نشعر به… وما نُدركه.