
في مدينة البصرة، حيث كانت أصوات التجار تختلط بتلاوات الذاكرين، وهدير البحر يلتقي بصرخات الطامحين، وُلد الحسن بن يسار، في عام 21 للهجرة. لم يكن نسبه يرفعه إلى قبيلة مرموقة، بل كانت أمّه مولاة لأم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في ذلك النسب ما يكفي ليكون قريباً من بركات النبوة، فقد أرضعته أم المؤمنين، وحملته أنفاس البيت النبوي.
نشأ الحسن في المدينة المنورة، حيث ما زالت أقدام الصحابة تخطو في طرقاتها، وما زال عبير النبوة يعطر مجالسها. سمع من عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم من الصحابة الكبار. وقد قيل عنه: “ما رأيت أحداً أشبه قولاً بفعل من الحسن”.
منذ صغره، ظهرت عليه ملامح الوقار، وكان سريع الدمع، حاضر القلب، يتجنب الصخب، ويأوي إلى المساجد وكأنه يجد فيها ملاذ قلبه. حفظ القرآن صغيراً، ودرس الفقه والحديث على يد كبار العلماء. ولكنه لم يكتف بالعلم الظاهر، بل خاض في عوالم التقوى، حتى صار يُضرب به المثل في الورع والزهد.
كانت الدنيا تأتيه فتولّي، ويطلبه الجاه فيفر منه كما يفر السليم من الأفعى. قال ذات مرة: “إن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فمن لم يعمل في دار العمل ندم في دار الجزاء”.
بلغ الحسن أشده، وصار يُشار إليه بالبنان، فكان العلماء يجلسون عند قدميه، والناس يحضرون مجالسه بالمئات، لا من أجل فصاحة لسانه فقط، بل لأنهم كانوا يرون في وجهه خوفاً حقيقياً من الله، ونوراً في الكلام لا يشبه كلام الوعّاظ.
روى عبد الله بن المبارك عن يونس بن عبيد، قال: “ما رأيت أحداً أطول حزناً من الحسن البصري، وما رأيته ضاحكاً قط”. وكان إذا ذُكر الموت اضطرب، وإذا قرأ آية فيها وعيد خرّ كأنه يُساق إلى المحشر.
في زمن الفتن، بعد استشهاد الحسين، وفي زمن الخلاف بين المسلمين، كان الحسن صوّت العقل والحكمة، لا يحمل سيفاً، بل يحمل كلمة تضع الملح على الجرح، والبلسم في موضعه. قال: “يا أهل البصرة، إن الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل”.
وكان من أقواله التي تناقلها الناس: “أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث. أضحكني مؤمّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل ليس يُغفل عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط ربه أم راضٍ. وأبكاني فُرقة الأحبة، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله ولا أدري إلى الجنة أصير أم إلى النار”.
وكان شديد الإنكار على نفسه، كثير المحاسبة لها، يقول: “يا ابن آدم، إنك تموت وحدك، وتُبعث وحدك، وتُحاسب وحدك، ثم تدخل الجنة أو النار وحدك”.
وقد عايش الخلفاء والولاة، وكانوا يهابون كلمته، ومع هذا كان شديد الحذر منهم. دخل على الخليفة عبد الملك بن مروان، فقيل له: “ارفق به فإنه أمير المؤمنين”، فقال: “إنما يخافه من لا يعرف الله، وأما من عرف الله فلا يخاف إلا إياه”.
وعندما سُئل عن سر تأثيره، قال: “ما أقول شيئاً إلا وسبقت له مني نية، ثم نُظر في قلبي، فإن وافق القول العمل، نطق لساني به، وإن خالف، أمسكت عنه”.
وقد بقي الحسن حتى بلغ السبعين من عمره، يذكّر الناس، ويبكي، ويحث على التقوى، ويزرع في قلوبهم زهداً في الدنيا، ورغبة في الله. حتى إذا جاء يوم الجمعة من شهر رجب، سنة 110 للهجرة، سكن قلبه وسكنت روحه، فمات على سجادته، وكأنما غاب في صلاته.
ودفن الحسن في البصرة، وشيّعه الآلاف، وبقيت كلماته تتردد في المجالس، وأثره في النفوس. وكان الناس إذا تحدثوا عن الزهد، ذكروا الحسن. وإذا تحدثوا عن الحكمة، استشهدوا بأقواله.
رحم الله الحسن البصري، فقد كان إماماً في الزهد، وعالماً في الدين، ومرآةً صافية يرى فيها الناس عيوبهم.
قال عنه الإمام الذهبي: “كان رأساً في العلم والعمل، وكان غاية في الحزن والخوف من الله، قدوةً في الزهد، لم يُر مثله في زمانه”.
وهكذا رحل من الدنيا من لم تكن الدنيا في قلبه، بل كان قلبه معلقاً بالله وحده.