
إإسرائيل الكبرى.. الحلم الذي يسكن الظل
منذ نشأة الحركة الصهيونية، لم تكن فكرة “إسرائيل الكبرى” مجرد شعارٍ سياسي يلوَّح به في أوقات الأزمات، بل كانت حلمًا استراتيجيًا يتوارثه قادة المشروع الصهيوني جيلاً بعد جيل. هذا الحلم يسكن الظل، يتقدّم حين تغفل العيون، ويتوارى حين يشتدّ الضوء، لكنه لا يغيب عن عقل من رسموا ملامحه منذ أكثر من قرن.
جوهر هذا المشروع يرتكز على نصوص توراتية محرّفة صوّرت “الأرض الموعودة” بأنها تمتد من النيل إلى الفرات، لتشمل مساحات شاسعة تتجاوز فلسطين. ومن هنا انطلق التصور الاستراتيجي بأن إقامة كيانٍ في فلسطين ليس إلا محطة أولى على طريق توسع أكبر. لذلك لم يكن احتلال الأرض الفلسطينية هدفًا نهائيًا، بل البداية الفعلية لحلم التمدد نحو المحيط العربي والإقليمي.
منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948، مرورًا بحرب 1967 التي أسفرت عن احتلال الضفة الغربية والجولان وسيناء، كان التوسع يُقدَّم للعالم تحت لافتة “الدفاع عن النفس”، بينما كان في حقيقته خطوة أخرى في مشروع زاحف. ومع مرور العقود، ظلّت الخرائط الرسمية لإسرائيل أصغر بكثير من الخريطة التي تسكن عقلها الجمعي، إذ يظل الامتداد بين النيل والفرات حلمًا معلّقًا في وجدانها السياسي.
لكن “إسرائيل الكبرى” لم تُبْنَ فقط بالدبابات والحروب، بل أيضًا عبر استراتيجيات أكثر دهاءً ونعومة: اختراق اقتصادي، تغلغل إعلامي، وتطبيع ثقافي وسياسي يجعل وجودها أمرًا طبيعيًا في المنطقة. إنّ أخطر ما في هذا المشروع أنه لا يطلّ على العالم بوصفه “خطة معلنة”، بل يزحف ببطء في تفاصيل السياسة والعلاقات، حتى يترسخ في وعي الشعوب أن إسرائيل كيان لا يمكن تجاوزه.
هكذا نفهم أن “إسرائيل الكبرى” ليست مجرد حدود جغرافية، بل مشروع هيمنة شاملة. جوهره أن تكون إسرائيل القوة المركزية في المنطقة؛ تسيطر على مفاتيح القرار السياسي، وتتحكم في مسارات الاقتصاد، وتفرض نفسها مرجعًا أمنيًا لا يمكن تجاوزه. إنّه حلم الهيمنة أكثر من كونه حلم الاحتلال المباشر.
التحالفات المتناقضة، والاضطرابات الداخلية في الدول العربية، والحروب الأهلية التي عصفت بالمنطقة خلال العقود الأخيرة، جميعها وفّرت لإسرائيل بيئة مناسبة لتوسيع نفوذها دون الحاجة لاحتلال عسكري مباشر. فكلما ضعفت الدول المحيطة بها، ازدادت قوتها، وكلما انشغلت الشعوب بأزماتها الداخلية، تقدّم المشروع خطوة إلى الأمام.
غير أن هذا المشروع، مهما بدا راسخًا، ليس قدَرًا محتومًا. فقد واجهت إسرائيل هزائم كبرى في محطات مختلفة: حرب أكتوبر 1973، وصمود المقاومة في لبنان عام 2006، ثم في غزة مرارًا وتكرارًا. هذه الأحداث أثبتت أن المشروع قابل للانكسار، وأن “الحلم الكبير” يمكن أن يتبدد متى ما واجه مقاومة واعية وصلبة.
إن أخطر ما تراهن عليه إسرائيل ليس تفوقها العسكري وحده، بل ضعف الوعي الجمعي العربي. فهي تعلم أن الجيوش قد تُهزم أو تُستعاد قوتها، لكن الشعوب إذا فقدت ذاكرتها ورضيت بالتبعية، فإن المشروع يتحقق دون معارك. لهذا تستثمر في الإعلام، والتعليم، وتفكيك الهوية الثقافية، حتى تنشأ أجيال ترى وجود إسرائيل أمرًا طبيعيًا لا جدال فيه.
لكن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب هي أن هذا المشروع، مهما بدا ضخمًا، يتغذى على ضعف الأمة أكثر مما يتغذى على قوته الذاتية. فإذا استعاد العرب قوتهم الداخلية، ووحدوا صفوفهم، وأصلحوا أوطانهم من الداخل، فإن حلم “إسرائيل الكبرى” سينهار، لأنه قائم على فراغنا أكثر مما هو قائم على امتلائه.
إن مقاومة “إسرائيل الكبرى” لا تكون بالشعارات الرنانة، بل ببناء وعي عميق، وإرادة سياسية صلبة، واقتصاد قوي، ووحدة شعوب لا تنخدع بالضجيج الإعلامي. كل حجرٍ يُرمى في فلسطين، وكل صوتٍ يرفض التطبيع، وكل جيلٍ يستعيد ذاكرته، هو في حقيقته معولٌ يهدم جدار هذا المشروع.
إسرائيل تعرف جيدًا أن الزمن جزء من سلاحها، لكنها تدرك أيضًا أن الأرض لا تنسى أصحابها، وأن الشعوب مهما طال صمتها ستنهض يومًا. لذلك يبقى مشروع “إسرائيل الكبرى” حلمًا يسكن الظل، لا يتحقق إلا إذا استسلمت الأمة، ويتبدد متى ما قررت أن النور أقوى من الظلام.