
هل أنا بلا قلب؟!
قال لي أحدهم يومًا، وكأنما أراد أن يقذفني بأقسى ما يملك من سهام: “أنت بلا قلب”.
توقفت عندها طويلاً… كيف يمكن لإنسان أن يُتهم بأنه بلا قلب؟! وهل في الوجود سُبّة أشنع من هذه؟ أليس الإنسان في جوهره قلبًا يسكن جسدًا، وروحًا تتخفى خلف ملامح الطين؟ إن فقد المرء قلبه، فما الذي يبقى له من معنى؟ جسد يتحرك، نعم، لكنه بلا روح، بلا بوصلة، بلا حياة.
إنهم يقولون: المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه. لكنني أعجب، كيف جعلوا القلب قرينًا للسان؟! ما أبعد ما بينهما! القلب يقرأ قصائد الله في زرقة السماء، وفي خفقة جناح طائر، وفي انكسار موجة على صخر. القلب يتذوق الشعر المخبّأ في الأشياء، بينما اللسان لا يبوح إلا بشيء يسير، وربما خان فيما ينطق. القلب لا يكذب، أما اللسان فكم يجيد التزييف! فما أبخس أن يُقاس هذا بذاك!
يا صاحبي… لو فتّشتَ في السماوات والأرض عن أعجب ما صنع الله، لما وجدت أعجب من قلب الإنسان. ذلك السرّ العجيب الذي لا يُشبه شيئًا، ولا يكرره شيء. قلب واحد في الصدر، لكنه يتلوّن بألف معنى، ويُظهر ألف صورة. قلب صافٍ كالجوهر الكريم؛ يلمع بالحق، ويرتوي بالخير. وقلب آخر صلد كالصخر؛ ينفع لكنه لا يلمع.
أتعجب من هذا التفرّد! عيوننا قد تتشابه، آذاننا تتشابه، ملامحنا قد تُخطئها العين أحيانًا فلا تفرّق بين وجه ووجه. لكن القلب… لا يُشبه قلبًا آخر. هو بصمة الروح، هو العلامة الفارقة بين إنسان وإنسان. فيه يسكُن الحب والكره، الرقة والقسوة، العلو والانحطاط. يموت القلب في لحظة ظلم، ثم يُبعث من جديد بلمسة رحمة. يذبل في الفقد، ثم يزهر حين تلمسه يد الأمل. يعلو كالنجوم في رفعة، ويهبط في غياهب الحضيض. وبين مدّه وجزره تُقاس قيمة الإنسان، وخير الناس من حفظ لقلبه نقاءه، وصان له سماءه.
القلب… هو الجنة إن شئت، وهو الجحيم إن أردت. فيه تتأسس العاطفة التي تُحرك الوجود. أما العقل، فلا يسكن إلا في بيت بناه القلب أولاً. وما العقل بغير عاطفة؟ آلة باردة لا تلد حياة. القلب يخلق، والعقل يحلل. القلب يبني، والعقل يُجادل. القلب ينفخ الروح في العمل، والعقل يحصي تفاصيله. وهل شاد أعظم بناة العالم حضارتهم إلا بعظمة قلوبهم، بصدق مشاعرهم، بقوة إرادتهم؟ لقد سبقوا العقول بكبر قلوبهم قبل أن يسبقوا بالأفكار.
ألا ترى؟ القلب يخطّ على صفحة الوجود ملامح الجمال، ثم يأتي العقل فيفسّر، فيُصيب مرة ويخطئ أخرى. القلب يُضيء شمعة العاطفة، والعقل قد يطفئها حين يبالغ في الحساب. فالعالم لا يُبنى بالعقل وحده، بل بالنبضة التي تجعل العقل حيًّا، نبضة القلب.
فقل لي يا صاحبي… بعد كل هذا، هل أُتَّهم بأني بلا قلب؟!
أي قسوة هذه التي تُخرج الإنسان من إنسانيته، وتُنزعه من قلبه كما يُنتزع الضوء من النهار؟!
إني – والله – ما عرفت نفسي إلا قلبًا. قلبًا يحب، فيجرحه الحب. قلبًا يعطي، فيخذله الجحود. قلبًا يتسامى، فيثقل عليه التراب أحيانًا. قد أضعف، قد أبكي، قد أشتكي… لكن قلبي هو دليلي، وهو ما يجعلني إنسانًا مهما عثرت.
فهل أنا بلا قلب؟! لا… بل ربما أنا قلب بلا جسد، أو جسد يحمله قلب أثقلته النبضات.