
اغتنم شبابك قبل هرمك
الشباب هو العمر الذي يتفتح فيه القلب كزهرة يانعة، وتنبض فيه الطاقات بحرارة، وتشرئب فيه الآمال نحو العُلا. إنه الفترة التي تُختصر فيها المعاني كلها: قوّة الجسد، صفاء العقل، حرارة العاطفة، ورغبة الاكتشاف. وليس من عجب أن يبدأ النبي ﷺ حديثه العظيم بقوله: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك…»، إذ الشباب رأس المال الحقيقي للإنسان.
في مرحلة الشباب يكون الحفظ أسرع، والفهم أعمق، والإرادة أصلب. القلب حينها ما زال غضًّا طريًا، لم تعصف به رياح الغفلة الطويلة، ولا أرهقته أثقال الدنيا كما يرهقها الكبر. في هذه المرحلة يستطيع الشاب أن يخط معالم طريقه بوعي، فيرسم خطواته نحو المستقبل بثبات، مستندًا إلى قوة جسده وعقله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يعيش الشاب هذه النعمة؟ أهي أيام للتسلية العابرة، أم هي فرص لتشييد الأبنية الراسخة؟ لقد كان السلف الصالح يدركون أن أعمارهم قصيرة، فاستثمروا شبابهم في طلب العلم وحفظ القرآن، وفي العبادة والجهاد وخدمة الناس. ومن أجمل صور ذلك ما قاله الحسن البصري رحمه الله: «يا معشر الشباب، خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإنما هي أيام قلائل».
والشباب الذي يُقضى في الطاعات لا يضيع هباءً، بل يثمر بركة في الحياة ورفعة في الآخرة. ألم يقل النبي ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… وشاب نشأ في طاعة الله»؟ إنها منزلة لا تُنال بسهولة، بل بصدق العزيمة، وحسن التوجه، وإخلاص القلب.
أما إذا ضيّع الإنسان شبابه في غفلة ولهو، وأهدر ساعاته في العبث والملهيات، فإنه سيجد نفسه عند الكبر نادمًا، يتحسر على ما فات ولا سبيل إلى عودته. ما أقسى أن يلتفت المرء إلى الوراء ليجد سنواته قد انقضت، وجسده قد وهن، وهمته قد ضعفت، فلا يعود قادرًا على ما كان يستطيعه بالأمس.
ومن المعاني الدقيقة أن الشباب ليس مقصورًا على مرحلة عمرية محدودة، بل هو روح متقدة ما دام في الجسد عافية وقوة. غير أن اللحظات الأولى من العمر تبقى الأصفى والأكثر قابلية للبناء. لذا فإن من أعظم الهدايا التي يمنحها الله لعبده أن يهديه إلى طريق الاستقامة وهو شاب، فينشأ قلبه على محبة الله، ولسانه على ذكره، ويده على خدمة خلقه.
أيها الشاب، إنك اليوم في نعمة لا يدركها إلا من فقدها. قوّتك هذه لن تبقى، وعافيتك ستزول، ونشاطك سيخبو. فليكن شبابك زادًا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. سل نفسك: ما الذي سأندم عليه حين يزورني الكبر؟ وما الذي سيبقى أثره إذا انطفأت قواي؟
أحسن استغلال وقتك في طلب علم نافع، أو تلاوة كتاب الله، أو عمل خير يتعدى نفعه للناس. اجعل لشبابك أثرًا ممتدًا، واجعل منه جسرًا إلى حياة أبدية. لا تستسلم لتيارات العبث، ولا تترك دنياك تعبث بك.
لقد قالوا: “الشباب فرصة لا تتكرر”، والحقيقة أنها أثمن من أن تُهدر، وأغلى من أن تُباع في سوق اللهو. عش شبابك كأنك تبني به بيتًا في الجنة، وكأن كل يوم منه هو لبنة في صرحك الأبدي.
فاغتنم شبابك قبل أن يطرق بابك الهرم، وقبل أن يخونك الجسد، وتخور عزيمتك، وتصبح عاجزًا عن السعي فيما كنت قادرًا عليه. واذكر دومًا أن العمر قصير، وأن اللحظة التي تذهب لا تعود، وأن الأيام التي تمضي من شبابك لا يمكن أن تُستعاد.
الشباب أمانة، وصدق الأمانة أن تضعها حيث يحب الله ويرضى، فليكن شعارك منذ اليوم: شبابي لله، وعمري لله، وغايتي وجه الله.