
اغتنم فراغك قبل شغلك
يُولد الفراغ في حياة الإنسان كالبرهة البيضاء في كتاب العمر، مساحة هادئة وسط صخب الأيام، مهلة يتنفس فيها القلب قبل أن يُدهمه زحام الواجبات ومسؤوليات الحياة. غير أنّ أكثر الناس يبدّدون هذا الفراغ فيما لا ينفع، ويظنونه فراغًا للراحة المطلقة أو للهروب من الجِدّ، وهو في الحقيقة فرصة للتزود، واستثمار العمر، وتهيئة النفس لما هو آت.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». والغبن هنا خسارة لا يراها المرء إلا متأخرًا، يوم تنقضي الساعات وتُغلق الأبواب. إن الفراغ ليس عبئًا كما يتوهم البعض، بل هو طاقة كامنة، إن وُجهت إلى الخير فتحت أبواب البركة، وإن أُهملت صارت وبالًا على صاحبها.
تأمل حال الشباب حين يكونون في بداية الطريق، أوقاتهم واسعة، ومسؤولياتهم محدودة، لكن قليلًا منهم من يعمّر هذه الساعات بما يبني به نفسه وعمره. وآخرون ينغمسون في اللهو، حتى إذا تقدمت بهم السنون وتكاثرت الهموم، أدركوا أن ما كان بين أيديهم ذهب هباءً. هنا يظهر معنى الاغتنام: أن تجعل من فراغك مجالًا لتعلّم علم، أو قراءة كتاب، أو ذكرٍ يقربك إلى الله، أو حتى رياضة تعينك على نشاطك.
الفراغ امتحان حقيقي؛ فقد يُغريك بالكسل والتسويف، لكنه أيضًا يفتح لك مجالًا للإبداع والعمل الصالح. كم من شاعر لم يجد موهبته إلا في سويعات الصفاء، وكم من مصلح لم تتبلور أفكاره إلا في أوقات الهدوء والتأمل. وإن القلب حين يصفو من شواغل الدنيا، يتهيأ للذكر والتفكر، ويقترب من الله عز وجل.
وليس الفراغ مجرد وقت طويل بلا عمل، بل قد يكون دقائق بين أعمالك، أو لحظات هدوء قبل النوم، أو ساعة صفاء في يوم مزدحم. فاغتنمها؛ فإن البركة في العمر ليست بكثرة السنوات بل بما يملؤها من ذكر وعمل نافع. وقد قيل: “إذا مرّ بك فراغ فاقرعه بما ينفع، فإنك إن لم تشغله بالحق شغلك بالباطل”.
يا ابن آدم، ستأتي أيام يزاحمك الشغل عن نفسك، وتغدو مسؤولياتك كالسيل الجارف، فلا تجد للعلم ولا للعبادة ولا للتأمل موضعًا. وحينها ستتمنى لو عاد بك الزمان إلى تلك اللحظات التي فرّطت فيها. فاليوم لك فراغ، وغدًا لا تدري.
فلتجعل من فراغك ساحة للبناء، قبل أن يلتف حولك الشغل من كل جانب. ولا تنسَ أن أشرف ما تُعمّر به وقتك هو ذكر الله، فإنه حياة للروح وسكينة للقلب، وسبب لتوفيقك في أشغالك حين تأتي. فاغتنم فراغك قبل شغلك، يكن لك زادًا يوم تقلّ الساعات، ويكون عملك شاهدًا بين يدي الله.