
أبنائي الأحبة،
اليوم أنتم على موعدٍ مع مرحلة فاصلة في حياتكم، مرحلة تحمل في طياتها الكثير من المعاني، وتغرس في أعماقكم بذور الرجولة والانضباط، وتمنحكم من التجارب ما لا يُشترى بالمال ولا يُنال بالكتب. أنتم مقبلون على الخدمة الوطنية العسكرية، وهذه ليست مجرّد أيام من التدريب البدني أو الانضباط العسكري، بل هي مدرسة للروح قبل أن تكون مدرسة للجسد.
تعلّموا يا أبنائي أن الخدمة الوطنية ليست تكليفًا ثقيلًا، بل هي تشريفٌ وأمانة. أنتم تمثلون جيلًا يحفظ العهد، جيلًا يُثبت أنّ الوطن يسكن في أعماقه قبل أن يسكن على خارطة. أنتم اليوم صورة لأحلام آبائكم، ودعاء أمّهاتكم، ودماء الشهداء الذين كتبوا لنا حاضرًا نعيشه بكرامة وأمان.
ستستيقظون في الصباح الباكر على صوت صافرة، وربما على تعبٍ لم تعتادوه، وستشعرون بثقل الواجبات وتشدّد التعليمات. ستجدون أنفسكم أمام تدريبات شاقّة، وحرارة شمسٍ قاسية، وربما برودة ليالٍ طويلة. لكن تذكّروا دائمًا أنّ هذه اللحظات ليست لعذابكم، بل لتقوية عزيمتكم، وصناعة رجال ينهضون بالوطن. فالجندي لا يُصنع في الراحة، بل يُصنع في التحدّي.
أبنائي،
اعلموا أن الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُعاش. الخدمة الوطنية هي لحظة صدقٍ بينكم وبين أنفسكم، أن تقولوا للوطن: نحن أوفياء، نحن حاضرون، نحن أهلٌ لحمل الأمانة. واعلموا أن الجندية تعلمكم الانضباط، وأجمل ما في الانضباط أنه يحرركم من فوضى النفس، ويمنحكم قيادةً داخلية تجعل خطواتكم واثقة، وقراراتكم رصينة.
ستتعلمون هناك أن الطاعة ليست ضعفًا، بل هي مدرسة في قوة النظام، وأن الصبر ليس عجزًا، بل هو بداية النصر. ستدركون أن العرق الذي يتصبب في الميدان هو ماء الحياة الذي يروي جذور الصلابة في أرواحكم. ستتعلمون أن البذلة العسكرية ليست قماشًا يُرتدى، بل عهدٌ يُعقد بينكم وبين وطنكم، أن تكونوا درعًا له، وسندًا لشعبه، وعينًا ساهرة تحرسه من كل سوء.
يا أبنائي،
لا تظنوا أن هذه الأيام ستأخذ منكم حياتكم، بل ستمنحها لكم. ستخرجون منها بصداقات جديدة لا تُشبه صداقات المدارس أو المجالس، بل صداقة من نوع آخر: صداقة تُبنى في التعب، وتُختبر في المواقف الصعبة، وتكبر مع الأيام كأخوة لا يفرقها الزمن.
تذكّروا دائمًا أن الأم التي تودعكم بعين دامعة إنما تفرح في قلبها لأنها تعلم أنكم تعودون رجالًا أوفى، وأن الأب الذي يبتسم بفخر إنما يرى فيكم امتدادًا له، يرى أحلامه وقد ارتدت بزاتكم، وخطت خطواتكم في ميادين الشرف.
أبنائي،
إذا قست عليكم الأوامر، فاصبروا؛ فالجندية لا تُدرّس بل تُعاش. وإذا ضاقت صدوركم من التعب، فتذكّروا أن كل خطوة هي قربان للوطن، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وإذا شعرتم بالحنين إلى البيت، فاعلموا أن الوطن بيتكم الأكبر، وأن خدمتكم فيه هي خدمة لأهلكم جميعًا.
ولتعلموا أنّ القوة الحقيقية ليست في حمل السلاح فقط، بل في حمل الأخلاق، وضبط النفس، والرحمة بالضعيف، والعدل مع القريب والبعيد. أنتم لستم جنودًا للوطن وحده، بل أنتم جنود للإنسانية، تقفون مع الحق، وتدفعون الظلم، وتنصرون المظلوم.
يا أبنائي،
أوصيكم أن تجعلوا من هذه التجربة نقطة تحوّل في حياتكم، لا تنتهوا منها كما بدأتم. خذوا من الانضباط نظامًا لحياتكم، ومن الصبر زادًا لطريقكم، ومن الطاعة وعيًا لقيمة المسؤولية. ليكن كل يومٍ في الخدمة درسًا تحفظونه في قلوبكم، ليقودكم بعد ذلك في دروب الحياة الأخرى: في بيوتكم، في أعمالكم، في صداقاتكم، وفي أحلامكم.
واختم وصيتي لكم بما قاله أحد الحكماء: “من لم يتعلم أن يحكم نفسه، فلن يحكم شيئًا آخر.” وأنتم اليوم في مدرسة تعلمكم حكم النفس، فإن أحسنتم فيها، أحسنتم في كل حياتكم.
بارك الله فيكم، وثبّت أقدامكم، وجعل خدمتكم زادًا من العزيمة، ورصيدًا من القوة، وحصنًا من الكرامة. واعلموا أن الوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل يُبنى بالرجال، وأنتم اليوم تبنون لبناته الصلبة.
عودوا إلينا رجالًا أعظم، واذكروا دائمًا أنّكم أبناء وطنٍ ينتظركم بفخر واعتزاز.