
المحبة التي تذوق بها حلاوة الإيمان: الشرط الخامس من لا إله إلا الله
إن القلوب لا تتحرك ولا تسكن إلا بالمحبة، فهي الدافع لكل عمل، والميزان لكل سلوك. ومن شروط كلمة التوحيد العظمى أن يمتلئ القلب محبةً لله ورسوله ولدينه، وأن تكون هذه المحبة أعظم من كل ما سواها. فالشرط الخامس من شروط “لا إله إلا الله” هو المحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه، وهي سر حلاوة الإيمان ولذته.
قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: 54].
وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار” [متفق عليه].
معنى المحبة في التوحيد
المحبة هي الميل القلبي مع التعظيم، وهي أصل كل عبادة. فإذا أحب العبد الله أعظم من كل محبوب، خضع له وحده، وترك ما سواه.
وليست المحبة في التوحيد مجرد عاطفة وجدانية، بل هي التزام عملي يظهر في الطاعة والاتباع، والبذل والتضحية.
دلائل محبة الله
- إخلاص العبادة له: فمن أحب الله لم يشرك به غيره، ولم يلتفت إلى سواه.
- اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
- تقديم محبته على النفس والأهل والمال: كما في حديث: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين”.
- الرضا بأمره والسرور بطاعته: فالمحب يجد لذة في الصلاة، وراحة في الذكر، وسعادة في الطاعة.
ثمار المحبة
- حلاوة الإيمان: وهي لذة يجدها العبد في قلبه عند الطاعة، تفوق كل لذة دنيوية.
- محبة الله لعبده: فمن أحب الله أحبه الله، وأكرمه بالقرب منه، كما قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
- القوة في مواجهة الأعداء: فالمحب لا يضعف أمام الكافر، ولا يخشى اللوم في سبيل الله.
- الرحمة بين المؤمنين: فمحبة الله تولد محبة أوليائه، وتجعل المؤمن أذلّة على إخوانه أعزة على أعدائه.
أمثلة على المحبة الصادقة
- أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين أنفق ماله كله لله، حبًا له ورسوله.
- الصحابة في بدر وأحد الذين ضحوا بأنفسهم نصرة لدين الله، مقدمين محبة الله على محبة الحياة.
- بلال رضي الله عنه وهو يقول تحت العذاب: “أحد، أحد”، حبًا لله وإصرارًا على التوحيد.
خطر فقدان المحبة
من لم يمتلئ قلبه بمحبة الله، علق قلبه بغيره؛ فيحب الدنيا أو المال أو الشهوات، حتى تصير أندادًا تُعبد من دون الله. وهنا يقع في شرك المحبة الذي هو من أخطر أنواع الشرك، إذ يجعل المخلوق في منزلة الخالق.
الخلاصة
المحبة شرط عظيم من شروط “لا إله إلا الله”، وهي التي تميز المؤمن الحق عن غيره. فمن أحب الله ورسوله أعظم من كل شيء، وجد حلاوة الإيمان، وذاق لذة الطاعة، ونال محبة الله له.
فلنفتش قلوبنا: من أحب إلينا، الله ورسوله أم الدنيا وزينتها؟
من قدّم محبة الله على كل شيء، كان صادقًا في شهادته، ومن جعل محبته موزعة بين الخالق والمخلوق لم يحقق التوحيد.
فالشرط الخامس من شروط كلمة التوحيد هو أن نعيش مع الله حبًا وولاءً، ومع رسوله اتباعًا واقتداءً، حتى نلقى الله بقلوب عامرة بالمحبة، فيحبنا الله ويكرمنا بجنته.