
الأخوة الإيمانية.. دفء القلوب ونبض الأرواح
في زحمة هذه الدنيا، حيث تتنازع المصالح وتتصارع الأهواء، تبقى الأخوة في الله نفحة ربانية، ورابطة سماوية لا يدرك عمقها إلا من ذاق حلاوتها. إنها المودة التي لا تُشترى بمال، ولا تُبنى على مصلحة، بل يزرعها الله في قلوب عباده المؤمنين، فيسكن بها الفؤاد، وتطمئن بها النفس، ويجد فيها العبد السلوى في وحدته والدفء في غربته.
قال تعالى يخاطب نبيه الكريم:
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63].
فما أعظمها من نعمة، وما أجلّها من منّة!
ثمرة الإيمان وميزان الصدق
الأخوة في الله ليست علاقة عابرة، ولا شعوراً مؤقتاً، بل هي ثمرة الإيمان الصادق، وعنوان الصفاء، وبرهان الولاء. قال جلّ وعلا:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
فإذا اجتمع الإيمان في القلوب، أزهرت محبة، وتفتّحت مودة، وتحوّل اللقاء بين المؤمنين إلى رحمة متبادلة، وتكافل حي، وعون لا ينقطع.
لقد عاش الصحابة رضوان الله عليهم هذا المعنى العظيم واقعاً ملموساً؛ فالأنصار آثروا إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، واحتضنوهم في دورهم وقلوبهم، حتى خُلد ذكرهم في كتاب الله:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
منزلة المتحابين في الله
ما أكرمها من منزلة تلك التي أعدها الله للمتحابين فيه! منابر من نور يوم القيامة، يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء. جاء في الحديث القدسي:
«المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» (رواه الترمذي).
إنها محبة خالصة، لا يشوبها غرض، ولا يداخلها هوى، يرفع الله بها العبد درجات، ويجعلها سبباً لظله يوم لا ظل إلا ظله.
الأخوة قوة وسند
الأخوة ليست كلمات تُقال، ولا عواطف تتبدد عند أول اختبار، بل هي قوة وسند. هي يدٌ تمتد إليك عند العثرة، وصوتٌ صادق ينصحك عند الغفلة، وحصنٌ يقيك برد الوحدة ووحشة الطريق.
قال النبي ﷺ:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (متفق عليه).
وقال ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم).
إنها صورة حيّة، تجعل القلوب كالجسد الواحد، تتألم معاً وتفرح معاً، فلا يخذل أحدهم الآخر، ولا يتركه نهباً للوحدة أو الحزن.
خطر الفرقة وآثارها
وكما أن الأخوة حياة، فإن الفرقة موت. هي الداء الذي يفتك بالأمة، فيضعفها أمام عدوها، ويجعلها غريبة بين الأمم. وقد حذّرنا الله من مغبة النزاع فقال:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وحذّرنا رسول الله ﷺ من التباغض والتقاطع فقال:
«لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (متفق عليه).
إنها كلمات تختصر الداء والدواء: فإما أخوة تُقيم الأمة وتوحد صفها، وإما فرقة تمزقها وتذهب ريحها.
خاتمة
الأخوة في الله زاد القلوب وبلسم الأرواح، بها تشتد الأمة، وبها تنجو من وحشة الدنيا وظلمة الآخرة. إنها مفتاح الجنة، وعنوان المحبة الصادقة. قال ﷺ:
«والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (رواه مسلم).
فلنحرص أن تكون روابطنا خالصة لله، لا تشوبها مصلحة ولا تعكرها خصومة. ولنجعل من أخوتنا جسوراً تعبر بنا إلى الجنة، فالحياة قصيرة، واللقاء عند الله أطول وأبقى.