
أحياناً علينا
أحيانًا أشعر أن على كلّ واحدٍ منا أن يضع ورقة صغيرة على باب قلبه أو عند عتبة حياته، يقرأها كل من ينوي الدخول، مكتوبٌ عليها بصدقٍ ووضوح:
“أنا أخوض معركة لا تراها عينك، ولا تدري عن تفاصيلها شيئًا… من فضلك كُن لطيفًا.”
هذه الورقة الخيالية ليست زينة ولا ترفًا أدبيًا، بل هي أشبه بدرعٍ يحاول به الإنسان أن يحمي ما تبقى له من سلامٍ داخلي. فكم من روحٍ تبتسم في وجوه الآخرين، وتبدو لهم متماسكة، بينما بداخلها عواصف لا تهدأ، ومعارك لا يراها إلا الله.
لطالما تمنّيت لو أنّ الناس يفهمون أن ما يبدو على السطح ليس كل شيء، وأن الصمت الذي نلجأ إليه أحيانًا لا يعني الرضا المطلق، بل قد يكون إشارة إلى تعبٍ مُرهق، أو صبرٍ طويلٍ يحاول أن لا ينكسر، أو قلبٍ أرهقه الألم حتى صار الصمت لغته المفضّلة.
الصمت ليس دائمًا علامة قوة، وأحيانًا ليس علامة ضعف، بل هو حالة بين الاثنين. الصمت هو أن تختار أن تحبس في داخلك ما لا تُحسن الكلمات أن تشرحه، وما لا يُنصفه أي تعبير. الصمت قد يكون خلاصًا مؤقتًا من جدالٍ لا جدوى منه، أو من قسوة لا تُطاق، أو من سوء فهم متكرّر.
وحين نقول للآخر: “كُن لطيفًا”، فإننا لا نطلب شيئًا صعبًا أو مستحيلًا، بل نطلب أبسط ما يمكن أن يقدّمه الإنسان للإنسان: كلمة هادئة، ابتسامة صافية، لمسة رحمة، أو حتى صمتًا لا يجرح. نحن لا نريد من العالم أن يحمل عنا معاركنا، لكننا نرجوه أن لا يزيدها ثِقلاً.
كم من شخصٍ يضحك في وجهك وأنت لا تعلم أن قلبه مكسور، وكم من إنسانٍ يلقي التحية صباحًا وهو عائدٌ من ليلٍ ثقيلٍ ملأه الدمع والدعاء. كم من صامدٍ تراه قويًا بينما هو في داخله يستنزف آخر ما تبقّى له من قدرة على الثبات.
إنها الحقيقة التي كثيرًا ما نتجاهلها: كلّ إنسان يخوض حربًا خفيّة، تختلف في شكلها وحِدتها، لكنها في النهاية تُشبه النزيف الصامت. بعضهم يقاتل المرض، وبعضهم يقاتل الوحدة، وبعضهم يقاتل خيبات الحياة وخذلان البشر. لذلك كانت اللطافة فضيلة كبرى، لأنها تُطفئ نارًا لا نراها، وتُرمم كسورًا لا ندركها.
فلنكتب جميعًا على أبواب حياتنا: “أنا أكافح معركة صامتة، فلا تجرحني، لا تثقلني، لا تستهين بي. رجاءً كن لطيفًا ومتفهّمًا.”
ولنضع هذه العبارة نصب أعيننا أيضًا حين نقترب من الآخرين، لأنهم مثلنا تمامًا، لهم صمتهم، ولهم معاركهم، ولهم قلوبٌ تعبت حتى آثرت الصمت.
فأحيانًا لا يكون الصمت سوى صوتٍ عميقٍ يصرخ داخليًا: “لقد تعبت… فارفق بي.”