
لليس كل من نحبهم مناسبون لحياتنا. هذه الحقيقة قد تُوجِعنا حين تلامس القلب أول مرة، لكنها في أعماقها تحمل حكمة كبرى، كحقيقة الشمس التي تُضيء ولو حرقت، والبحر الذي يُغرق ولو أغرى بموجه. نحن لا نولد عارفين، ولا ننشأ محصنين من خيبات التوقعات. بل نتعلم مع العمر أن الحب وحده لا يكفي، وأن العاطفة مهما اشتعلت لا تضمن انسجام الأرواح، ولا تصنع طرقًا مشتركة.
كلما كبرنا، أدركنا أن بعض الوجوه التي استوطنت قلوبنا لم تُخلق لتبقى طويلًا. كنا نظن أن الحب جواز عبور أبدي، فإذا به مجرد بطاقة مؤقتة تسمح للآخرين بالدخول إلى مساحتنا، ثم تنتهي صلاحيتها حين تنكشف اختلافاتنا العميقة. حاولنا مرارًا أن نُمسك بأيدٍ كانت تتفلت من بين أصابعنا، ظننا أن التبرير سيُبقيهم، وأن الصبر سيُغيّرهم، وأن الصدق سيكفي لإطالة البقاء. غير أن الحقيقة دائمًا أوضح من كل محاولاتنا: الأرواح لا تُجبر على الانسجام، والحب لا يفرض نفسه على قلب لم يُقدّر له أن يستقر.
ليس مؤلمًا أن نفترق لأن الآخر سيئ، بل لأننا أدركنا أن أرواحنا لا تُكمل بعضها. فالبعض مثل لحنٍ جميل لا يلائم قصيدتنا، والبعض مثل فصلٍ خاطئ تسلّل إلى كتاب حياتنا، لا ينسجم مع بقية الحكاية. إن التناسب بين البشر لا يقوم على الحب وحده، بل على عمق التلاقي، على ذلك الشعور بأن وجود الآخر يُخفف عنّا أعباء الأيام بدل أن يزيدها، بأنّ حضوره يُنبت في قلوبنا راحة لا جدالًا، سلامًا لا حربًا.
ومع ذلك، نُدرك أن أصعب مراحل الوعي ليست في معرفة الحقيقة بل في قبولها. نحن بارعون في صناعة الأوهام، في إقناع أنفسنا أن ما نملكه يكفينا، أن الاختلافات يمكن أن تُردم بالوقت، وأن التباعد يمكن أن يُعالج بالحب. لكن القلب يعرف، والروح تشهد، أن ما لا يناسبنا سيظل يومًا ما عبئًا ثقيلًا. إن التمسك بما لا يلائمنا يُهدر طاقتنا، يزرع فينا قلقًا مقيمًا، ويُشعرنا أننا نقاتل حربًا خاسرة ضد أنفسنا.
التقبل مؤلم، لكنه بوابة الحرية. حين نختار أن نترك ما لا يناسبنا، لا نُعلن هزيمة، بل نصنع بداية. نحن لا نخسر من يغادرنا، بل نخسر فقط الوهم الذي كان يحجب عنا رؤية حقيقتنا. نكتشف أن الفقد أحيانًا علاج، وأن الانفصال قد يكون رحمًا يلدنا من جديد. وحين نجرؤ على الاعتراف بأن الحب وحده لا يكفي، نكون قد وضعنا أقدامنا على عتبة النضج.
فالانسجام أوسع من مجرد عاطفة؛ هو ذلك التوافق الخفي الذي يجعلنا نجد أنفسنا في الآخر بلا عناء. أن نضحك دون تفسير، أن نصمت دون حرج، أن نحزن دون أن نخشى سوء الفهم. الانسجام هو أن تتحرك الأرواح في إيقاع واحد حتى وإن اختلفت الألحان، أن يتلاقى الحلم بالحلم، والاتجاه بالاتجاه، فيصبح الطريق أيسر والرحلة أخف.
وعندما نصل إلى هذا الوعي، نتعلم أن الحب الحقيقي لا يُرهقنا، بل يُنيرنا. إنه حب لا يحتاج إلى تبرير ولا دفاع مستمر، حب يُشبه الصلاة حين تمنح القلب سلامًا، ويشبه البحر حين يعطي بلا حساب. هو حب لا يطلب منّا أن نُغيّر جوهرنا، ولا يُرغمنا أن نختنق باسم التضحية. إنه حب يضيف إلى حياتنا ألوانًا لا جروحًا، ضحكات لا دموعًا، يقينًا لا ارتباكًا.
ومع ذلك، علينا أن نُدرك أن بعض القلوب جاءت لتعلّمنا الدرس لا لترافقنا العمر كله. هؤلاء الذين عبروا ثم رحلوا، لم يأتوا عبثًا؛ لقد تركوا فينا أثرًا، صقلوا وعينا، وأرشدونا من حيث لا يعلمون إلى ما نستحق. كانوا جسرًا عبرنا عليه نحو نضجنا، علامة على أن حياتنا تحتاج إلى مراجعة واختيار أصدق.
وفي نهاية المطاف، ندرك أن الحياة لا تُقاس بعدد الوجوه التي رافقتنا، بل بنوعية الأرواح التي ظلّت إلى جانبنا. المهم ليس من أحببنا، بل من استطاع أن يمنحنا سلامًا مستمرًا، من بقي لأن وجوده حياة لا عبء. إننا نكتشف أن أجمل القلوب هي تلك التي تضيف إلى أرواحنا طمأنينة كالماء العذب، وأنقى النفوس هي التي تحضر كالنور فلا تُثقل ولا تُعكّر.
وهنا يقف القلب متسائلًا، أمام كل ما مرّ وكل ما سيأتي:
هل نملك الشجاعة الكافية لنترك ما لا يناسبنا، كي نفتح أبوابنا للحب الذي يليق بنا حقًا، أم سنظل نُضيّع أعمارنا في التشبث بما يطفئ أرواحنا شيئًا فشيئًا؟
هل نملك الشجاعة الكافية لنترك ما لا يناسبنا، كي نفتح أبوابنا للحب الذي يليق بنا حقًا، أم سنظل نُضيّع أعمارنا في التشبث بما يطفئ أرواحنا شيئًا فشيئًا؟
الحياة اختيار
جميل ما كتبت شكرا لك
إعجابإعجاب