
نسألك يا الله… أن تهبنا من أيّامك ما يُطفئ أوار القلوب، ويغمر الأرواح بالسكينة، ويُقيم في داخلنا مقامًا دائمًا للطمأنينة.
نسألك أيّامًا يشرق فيها وجه الحياة، فتبتسم الطرق التي ضاقت، وتلين الصخور التي أرهقت خطانا، ويمّحي من ذاكرة الروح صخب القلق وضجيج الهموم.
أيامًا لا يشوبها إلا نورك، ولا يظلّلها إلا لطفك، ولا يتخللها إلا إحسانك.
يا الله… كم نحتاج إلى لحظةٍ نخلع فيها عنّا ثياب الخوف، ونسلّم أرواحنا بين يديك مطمئنة واثقة.
كم نحتاج إلى صباحٍ ينفض عنا غبار التعب، وإلى مساءٍ يهمس في أعماقنا: لقد مضى كلّ ما أوجعك، وأتى ما يسعدك.
نحتاج إلى أيامٍ نُشبه فيها أنفسنا أكثر، أيامٍ يتماهى فيها القلب مع الرضا، فلا نطلب من الدنيا إلا أن تكون جسرًا ناعماً يوصلنا إلى رحمتك.
اللهم اجعلنا نذوق برد السكينة كما يذوق العطشانُ أول قطرة ماء بعد سفرٍ طويل، واملأ مساحات صدورنا باليقين حتى لا تهتز مهما عصفت بها الرياح.
اجعلنا نُبصر نعمك في تفاصيل حياتنا الصغيرة: في ابتسامة من نحب، في عافية الجسد، في دفء البيت، في لحظةٍ يسكنها الهدوء.
حتى لا يبقى للحزن مكان، ولا للقلق أثر.
يا الله… نسألك أمنياتٍ لا تُرهقنا بمطاردتها، بل تأتيك راضية مرضيّة، تتحقق بقدرتك كما لو أنها كُتبت لنا منذ الأزل.
فنفرح بها ونحمدك عليها، وتكون سببًا لرضا نفوسنا وضياء أعيننا.
نسألك أن لا تتركنا نُصارع الأماني الضائعة، بل أن تمنحنا من واسع كرمك أضعاف ما حلمنا به، وأجمل مما ظننّا أننا نستحق.
يا الله… إننا حين نلتجئ إليك نُدرك أن كلّ الأبواب تُغلق إلا بابك، وكلّ الأيدي تعجز إلا يدك، وكلّ القلوب تضيق إلا قلبك الذي وسع كلّ شيء رحمة.
أنت وحدك من يسمع أنين الروح وهي صامتة، ويفهم ارتجاف القلب وهو يختبئ خلف ابتسامةٍ متعبة.
وأنت وحدك من يُعيد ترتيب شتاتنا، ويجمع قلوبنا المكسورة، ويُبدّل خوفنا أمنًا وحزننا فرحًا وضيقنا سَعة.
يا الله… نُريد أن نكون من الذين إذا حزنوا ذكروك فاطمأنوا، وإذا ضاقوا ناجوك فانفرجوا، وإذا تمنّوا سلّموا لك فأعطيتهم ما هو خير لهم مما أرادوا.
نُريد أن نمشي في هذه الدنيا بخفّة، لا نُثقِل أرواحنا بما مضى ولا بما سيأتي، بل نحيا الحاضر برضا، ونُسلّم الغد لعنايتك.
نُريد قلبًا لا يتشبث إلا بك، ولا يرجو إلا وجهك، ولا يطمئن إلا بذكرك.
اللهم اجعلنا نغفو على يقين، ونصحو على شكر، ونسير في النهار بين لطفك وسترك، ونمضي في الليل بين دعائك وحُسن ظنّنا بك.
اجعلنا نُحبك حبًّا يطغى على كلّ شيء، فلا نعود نرى الحزن عدوًا، ولا الفقد لعنة، ولا البلاء انكسارًا، بل نرى كلّ ما يأتي منكَ رحمة، وكلّ ما يبتعد عنّا لطفًا.
ونسألك يا الله أن تكتب لنا من أيّامك أيّامًا لا نُفتَن فيها، ولا نحزن فيها، ولا نُخذَل فيها، ولا يضيق فيها صدرٌ ولا يَنهمر فيها دمعٌ إلا شكرًا لك.
أيامًا نعيشها كأنها هديةٌ منك، لا نخشى ما بعدها ولا نتحسر على ما قبلها.
أيامًا نُوقن معها أن السعادة ليست بعيدة، وأن الطمأنينة ليست حُلُمًا، بل هي منك وإليك.
فامنحنا يا الله عمرًا تطيب به القلوب، وتطمئن به الأرواح، فلا بعده حزن، ولا بعده ضيق، ولا بعده قلق.
آمين.
ولكن… حين نفيض بهذه الأدعية، ونرجو منك السكينة بكل هذا اليقين، هل نحن مستعدّون أن نُبدّل داخلنا قبل أن ننتظر أن يتبدّل خارجنا؟