دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

في مجلس العزاء، لا يعود الموتى ترابًا كما يخيّل إلينا، بل يعودون شراراتٍ من الفقد، تتسرّب إلى أرواحنا كأنّها بقايا نارٍ لم تنطفئ أبدًا. ينهضون من صمتهم في لحظةٍ غير متوقّعة، ويمتدّون بيننا كظلٍّ طويل يذكّرنا أنّ الغياب ليس نهاية، وأنّ الحزن هو الباب الذي يُعيدهم إلينا كلما طرقنا عليه بالدموع.

يكفي أن يرحل عزيز واحد، حتى تستيقظ الصفوف القديمة النائمة في قلوبنا. فجأةً تنبعث المواكب من أعماق الذاكرة، فلا نعرف: أنبكي راحل اليوم وحده؟ أم أنّنا نُشيّع معه قوافل الغابرين الذين تكدّسوا في زوايا القلب منذ سنين؟ إنّ الحزن لا يعرف التفرقة، إنّه يفتح الأبواب دفعةً واحدة، ويدخل بنا إلى ممرّ طويل تصطفّ فيه وجوه الراحلين، يلوّحون لنا من بعيد كأنّهم لم يغيبوا قط.

في تلك اللحظات، يفيض القلب بصوتٍ مكتوم، تختنق به الروح ولا يسمعه أحد. تترقرق الدموع في العيون، لكنها لا تُرى إلا لمن يعرف سرّها. نغرق في صمتٍ يزدحم بالوجوه: أمٌّ نابت عن العالم كلّه بحنانها، أبٌ لم يعرف التعب إلا حين غاب، إخوة وأخوات، أعمام وأخوال، جدٌّ كان ركن البيت، وجدّة كانت دفء الشتاء. كلّهم يعودون كأنّهم استيقظوا لتوّهم من نومٍ قصير.

قبل قليل جلست في مجلس العزاء ، فإذا بالمكان ينفتح على عالمٍ آخر، وكأنّ ستارًا شفيفًا قد أزيح عن العيون. رأيت أمّي تجلس في ركنٍ قريب، بملامحها التي لم تتغيّر، كأنّها ما زالت بيننا. بجواري أبي، صمته أبلغ من الكلام، نظرته تسندني كما كانت دائمًا. ثمّ جاء خالي، وعمّي، وعمّتي، وأمّي مريم، يتوزّعون المقاعد وكأنّهم لم يرحلوا يومًا. حتى جدّي وجدّتي كانا هناك، بضحكاتهما التي لم يبهتها الزمن. كأنّ الموت لم يُطفئ ملامحهم، بل علّقها في فضاءٍ لا يراه سواي.

كنت أظنّ أنّ الغياب أبدي، وأنّ التراب يقطع كلّ صلة، لكنّني أدركت أنّ كلّ وجعٍ جديد ما هو إلا منفذٌ خفيّ يعيدهم إلينا. كأنّ الحزن بابٌ سرّي، كلما فتحناه دخلت منه الأرواح واحدةً تلو الأخرى. لم يعودوا كما كانوا، لكنّهم أيضًا لم يغادروا بالكامل. إنّهم يقيمون في مكانٍ آخر، مكانٍ لا نصل إليه إلا حين تُجرح أرواحنا بفقدٍ جديد.

لقد تعلّمت أنّ الحزن ليس لحظةً واحدة، بل هو سلسلةٌ متشابكة من اللحظات. إنّه دوائر تتداخل، كلّ دائرة تُعيدنا إلى أخرى. حين يبكي القلب على جديدٍ، يفتح أبواب القديم، ويستحضر كلّ الأسماء والملامح التي حملت يومًا جزءًا من روحنا. ولذلك فإنّ دموعنا في خيام العزاء ليست لشخصٍ واحدٍ فقط، بل هي دموع لزمنٍ كامل، لعمرٍ مضى، لأحبابٍ رحلوا، ولأمانٍ لم يكتمل.

لكن الغريب في الأمر أنّ حضورهم لا يضاعف الألم فحسب، بل أحيانًا يُلقي فينا عزاءً خفيًّا. كأنّهم يعودون ليقولوا لنا: نحن هنا، وإن كنّا بعيدين. نحن نراقب دموعكم، ونشعر بقلوبكم، وما تركناكم يومًا. فهل هذه المشاهد محض خيالٍ يُصوّره لنا الحنين؟ أم أنّ الأرواح فعلًا تعود، تُطلّ علينا لحظةً ثم تختفي، كأنّها لم تغب أصلًا؟

أقف بين يقينٍ ودهشة. يقينٌ بأنّ القلب لا ينسى، وأنّ الذاكرة لا تُمحى، ودهشة من وضوح حضورهم، حضورٍ يتجاوز حدود العقل، ويتركنا عاجزين عن التفسير. لعلّ الموت لا يقطع الحبال كما نعتقد، بل يبدّل شكلها فقط. لعلّ الغياب لا يعني الانقطاع، بل الاستمرار في هيئةٍ أخرى، لا نفهمها إلا حين نصغي إلى ارتجافات أرواحنا.

هكذا تتكشّف لنا الحقيقة في صمت العزاء: أنّ الحزن لا يخصّ واحدًا بعينه، بل يشمل كلّ الذين كانوا يومًا جزءًا منّا. وأنّ الأرواح، مهما ابتعدت، تظلّ تعود إلينا كلما هبّت ريح الفقد.

لكنني أظلّ أتساءل: أتراني وحدي التي تراهم يتوزّعون المقاعد في خيام العزاء، يتجوّلون بيننا بملامح لم يَمسّها الزمن؟ أم أنّ كلّ قلبٍ جُرح بخسارة قديمة، تعود الأرواح لتنهض فيه كلما لامس وجهه حزنٌ جديد؟

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة