
التمس لي العذر، إن التقيتني على غير هيئتي التي عهدتني عليها، بوجهٍ شاحبٍ كأنما غادرته الحياة، أو بعينين غائرتين لا تعكسان بريقهما القديم. لا تظن أنّ في الأمر جفاءً منك أو صدودًا عنك، فما أنا إلا مسافر في متاهات داخليّة لا تراها. قد أكون مثقلاً بما لا يُحمل، محاطًا بجيوش من الأفكار التي تنشب مخالبها في رأسي، فلا تتركني ألتقط أنفاسي ولا تمنحني فرصة لأنظر حولي.
التمس لي العذر، إن راسلتني فلم تجد جوابًا، أو إن اتصلت بي ولم أُجب. فالهاتف بالنسبة لي أحيانًا لا يكون إلا صوتًا صاخبًا يزيد من ضوضاء روحي، وأنا في تلك اللحظات لا أملك من القوة ما يكفي لأفتح نافذة نحو العالم. لست متكبّرًا ولا عازفًا عنك، بل قد أكون غارقًا في صراع مع ذاتي، أو أبحث عن خيط نور ينقذني من ليلٍ طويل.
التمس لي العذر، إن مررت بقربي ولم أُبادر بابتسامة، أو إن لم أرفع رأسي لأراك، فليس في قلبي قسوة ولا في صدري استخفاف بوجودك، إنما قد أكون سجينًا في داخلي، مأخوذًا إلى عالمٍ لا تملك مفاتيحه. عالم يثقل الروح ويغلق الأبواب في وجهي، فلا أراك ولو كنت أقرب الناس إليّ.
أحيانًا، يا صاحبي، يكون الجسد حاضرًا بينكم، لكن الروح تتيه في صحارى بعيدة. تكون الأذن تسمع ولا تُصغي، والعين تبصر ولا ترى، واللسان قادر على الكلام لكنه مشلول عن النطق. هي لحظات اغتراب داخليّ، يعجز المرء فيها عن الوفاء بأبسط صور التواصل، ويستحيل فيها الحضور الكامل إلى محض أمنية.
لا تظننّ أنّ من يلوذ بالصمت يكره الكلام، أو أنّ من يتوارى عن الجمع يستثقل الرفقة. قد يكون الصمت آنذاك دواءً لجرح لا يُرى، وقد تكون العزلة محاولة للنجاة من زحام يقتات على ما تبقى من راحة القلب. نحن نتصوّر أنّ الناس غائبون عنّا بإرادتهم، بينما قد يكون غيابهم قسرًا تفرضه قسوة الطريق وثقل الأيام.
ما أشبه الإنسان في لحظات ضعفه بشجرةٍ عتيقة عصفت بها الرياح! تراها واقفة، لكنها في داخلها تُصارع لتبقى جذورها مغروسة في الأرض. كذلك نحن، نبدو ثابتين، لكنّ الريح تعصف بنا من كل جانب. فمن أدرك ذلك، أشفَق ولم يُحاسب، واحتوى ولم يَلم.
إن رأيتني غريب الملامح، خافت النبرة، مطرق الرأس، فاعلم أنّي ما اخترت هذا الحال. إنما هي حرب أخوضها في داخلي، مع تعبٍ لا يُرى، ومع همومٍ لا تُحكى. أعذرني إن لم أكن في تلك اللحظة كما تريدني، فأنا أبذل جهدي كي أظل قائمًا في وجه ما ينهشني من الداخل.
كم جميل أن يلقى المرء قلبًا يتفهّمه، عينًا تقرأ ما وراء المظاهر، وصديقًا لا يقيس المحبة بعدد الكلمات ولا بوفرة الردود. التماس العذر في لحظات الغياب هو أعظم هدية يمكن أن يمنحها أحدنا للآخر، لأنّه يخفف عنّا حِملًا لم نعد قادرين على شرحه، ويمنحنا أمانًا نحتاجه كي لا نزداد انكسارًا.
فامنحني إذن فسحة من رحمتك، وتذكّر أنّ ابتسامتي الغائبة لا تعني أنّي أكرهك، وأنّ صمتي الطويل لا يعني أنّي نسيتك، وأنّ غيابي لا يشي بأنّي تخلّيت عنك. كلّ ما هنالك أنّي أعيش صراعًا لا يُرى، وأسير في دربٍ مليء بالحجارة، وقدمي تتعثّر كل حين.
يا صديقي، تمهّل في حكمك، واغفر لي ضعفي، وامنحني من صدرك متّسعًا. فالحياة ليست دائمًا كما تُرى من بعيد، والوجوه ليست دائمًا انعكاسًا للقلوب. التمس لي العذر، وامنحني فرصة أن أعود كما كنت، حين يسمح لي الوقت وتسمح لي العافية.
فهلّا تأملت يومًا: كم من وجهٍ عبر أمامنا وهو يخفي حربًا صامتة، وكم من ابتسامةٍ التقطناها وهي مجرّد قناع يخفي نزيفًا عميقًا؟