
جلسا في زاوية مقهى صغير، هادئ، بعيد عن ضجيج الشوارع. كان الأول يتحدث بحرارة، عيناه تتسعان كلما ارتفع صوته:
ـ “أتعلم يا صديقي؟ أكثر ما يوجعني في الناس هو صمتهم. حين لا يتكلمون، أظنهم لا يهتمون، أو أن في قلوبهم شيئًا ضدي. الصمت عندي جفاء، كأنه جدار يُبنى بيني وبينهم.”
أطرق الثاني برهة، ارتشف قهوته بهدوء، ثم رفع عينيه وقال:
ـ “وهل ظننت أن كل صمت يعني برودًا؟ أحيانًا يكون الصمت حُرمةً للكلمة، وصيانةً للقلب. من يصمت قد يكون أقرب الناس إليك شعورًا، لكنه أبعدهم تعبيرًا.”
ابتسم الأول ابتسامة ساخرة:
ـ “أيّ صداقة هذه التي تُبنى على الصمت؟ أيّ محبة لا يُصرّح بها صاحبها؟”
تنهد الثاني وقال:
ـ “المحبة ليست دائمًا ضجيجًا. أتعرف؟ كم من إنسانٍ يُغرقك بالكلمات، يملأ أذنك بالمدائح والعهود، لكن قلبه مسكون بالرياء، ولسانه أداة للتزييف. وفي المقابل، هناك من يصمت لأن الخير أثقل من أن يُقال، فيكتفي أن يرفعه في دعائه، أن يراك سعيدًا من بعيد دون أن يعلن ذلك.”
ساد لحظة صمت بينهما، كأن الكلمات تحتاج إلى مساحة كي تهبط. عاد الأول يسند ذقنه على كف يده، وقال بنبرة مترددة:
ـ “لكنني لا أطيق الغموض. أحب أن أعرف مشاعر الآخرين صراحة. الصمت يجعلني أسيء الظن.”
أجاب الثاني بهدوء أشد:
ـ “المشكلة ليست في صمت الآخر، بل في خوفك أنت من الفراغ. أحيانًا نظن أن العالم يدور حول كلمات الناس، فإذا صمتوا توهمنا الشر. ولو أمعنت النظر، لاكتشفت أن الصمت رسالة بليغة، ربما أصدق من الكلام.”
ارتبك الأول قليلًا، حاول أن يقاطع، لكن صاحبه تابع:
ـ “ألا ترى أن الله جعل الليل صامتًا، ومع ذلك فيه الطمأنينة والسكينة؟ وأن البحر حين يهدأ يبدو أعمق مما هو في هيجانه؟ هكذا البشر؛ قد يكون صمتهم سترًا على محبة لا يريدون أن يتاجروا بها، أو خوفًا من أن تفسدها الألسن.”
أطرق الأول رأسه، كأنه يستعيد مواقف قديمة. بدا على وجهه أثر حنين:
ـ “تذكرت الآن شخصًا كان دائم الصمت حولي، لم أسمع منه كلمة مدح، لكنني كلما وقعت في مأزق وجدته أول من يمد يده، وأول من يسعى خلف الكواليس ليعينني. مات ولم يخبرني يومًا أنه يحبني أو يتمنى لي الخير… لكنني أشعر اليوم أنني كنت مخطئًا في ظنوني.”
ابتسم الثاني وربت على كتفه:
ـ “هذا ما أقصده. ليس كل من يرفع صوته يحبك، وليس كل من يصمت يكرهك. الصوت قد يُخدع، أما المواقف فهي الحقيقة الصامتة.”
ساد بينهما سكون طويل، هذه المرة كان الصمت محمّلًا بالمعنى، لا بالاتهام. ثم قال الأول بصوت خافت:
ـ “ربما كنت قاسيًا في حكمي. كنت أظن أن من يصمت لا يشعر بي، بينما الحقيقة أنه كان أرحم بي من الذين غمروني بالكلام الجميل ثم تركوني وقت الحاجة.”
هز الثاني رأسه مؤكدًا:
ـ “هكذا البشر؛ بعضهم يختبئ خلف صمته ليحفظ نقاء قلبه، وبعضهم يتزين بالكلمات ليغطي عوراته. فكن متوازنًا: لا تفرط في الثقة بالكلام، ولا تتسرع في الحكم على الصمت.”
نظر الأول إلى صديقه مطولًا، ثم قال بنبرة أقرب إلى الهمس:
ـ “أشعر أنك تصفني أنا، أنني كنت أظن بك الصمت جفاء، بينما ربما كان صمتك محبة.”
ابتسم الثاني وقال:
ـ “ولماذا لا يكون صمتي دعاءً لك في الليالي؟ ولماذا لا يكون انتظارًا حتى تتسع صدور الكلمات لتليق بك؟”
سكت الأول، ثم أطرق رأسه، وأدرك أن أكثر ما خسره في حياته لم يكن قسوة الآخرين، بل تسرعه في سوء الظن بهم. ارتشف آخر ما تبقى من قهوته، ثم نظر إلى صديقه بنظرة امتنان عميق.
قبل أن يغادرا، قال الثاني وهو يبتسم:
ـ “تذكر يا صديقي… لا تُسارع في إساءة الظن بذاك الصامت، فصمته ليس جفاءً ولا قسوة. أحيانًا تخفي الجدران الهادئة خلفها قلوبًا تنبض بالدعاء لك، وأرواحًا تتمنى لك الخير أكثر من الذين يملؤون أذنك بالكلمات المزوّقة، وقلوبهم غارقة في النفاق.”
أجابه الأول وكأنه يسأل نفسه أكثر مما يسأل صاحبه:
ـ “فهل أمتلك الشجاعة لأعيد النظر في كل صمت مرّ بي، وأكتشف ما كان يخفيه من محبة لم أرها؟”