
طريق المحبة
في حياة كل إنسان لحظات يتوق فيها أن يكون محبوبًا. فالمحبة غذاء الروح، وبلسم الجراح، وسرّ الطمأنينة في قلبٍ يضطرب وسط ضجيج الحياة. كثيرون يسألون: كيف أكسب محبة الناس؟ كيف أجعل القلوب تميل إليّ بلا تكلّف؟ لكن قلّ من يسأل السؤال الأعمق: كيف أكسب محبة الله؟
إن محبة الله ليست أمنية تُقال باللسان، ولا دعوى تُرفع بغير دليل. إنها ثمرةُ سعيٍ، ونتيجةُ طاعةٍ، وهبةٌ يُلقيها الله في قلب من أحبّه. وحين يحبّك الله، يُنادي جبريل في السماء: “إني أحببتُ فلانًا فأحبّوه”، فيُحبّك أهل السماء، ثم يُكتب لك القبول في الأرض. فما أعظمها من نعمة، أن يكون لك ذكر في السماء قبل أن يُذكرك الناس في الأرض!
هذه السلسلة ليست خواطر عابرة، بل هي محطات تأملية في خمس صفات عظيمة، ورد ذكرها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، جعلها الله سببًا ليحب عباده. ليست صفات خارقة أو أعمالًا عظيمة تحتاج جهدًا فوق طاقة البشر، بل هي سلوكيات ممكنة، تبدأ من القلب وتفيض على الجوارح، يعيشها العبد في يومه وليله.
إنها صفات تُزهر بها الروح، وتُضيء بها الحياة: الصبر الذي يُجمّل البلاء، والتوكل الذي يحرّر من الخوف، والتوبة التي تغسل القلب من الأوزار، والإحسان الذي يسمو بالمعاملة، والعدل الذي يُقيم ميزان الله في الأرض. صفات ليست محصورة في عبادات جافة، بل هي حياة متكاملة، يتعامل بها المؤمن مع نفسه وربه والناس من حوله.
كل صفة من هذه الخمس هي طريق قصير إلى قلب الله، لكنها تحتاج صدقًا وإخلاصًا. الصبر يحتاج يقينًا أن ما عند الله خيرٌ وأبقى. التوكل يحتاج ثقة أن خزائن الله لا تنفد. التوبة تحتاج انكسارًا يفتح أبواب المغفرة. الإحسان يحتاج قلبًا يرى الجمال في العطاء. والعدل يحتاج نفسًا تقيم الحق ولو على ذاتها.
قد يغفل كثير من الناس عن هذه الطرق البسيطة، ويظن أن محبة الله لا تُنال إلا بأعمال عظام أو معجزات خارقة. لكن الحقيقة أن المحبة تُزرع بخطوات يومية يسيرة، حين تُحسن في كلمة، أو تصبر على ألم، أو تنصف مظلومًا، أو ترفع يديك بدمعة توبة صادقة.
ولأنها طرق يسيرة، فإن السؤال الأهم ليس: “هل أستطيع أن أفعلها؟” بل:
هل أريد بصدق أن أبدأ السير في طريق يُفضي بي إلى محبة الله؟