دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

العدل – ميزان الله في الأرض

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾

العدل ليس قانونًا فحسب، بل هو فطرة أودعها الله في القلوب، وميزان وضعه في الأرض ليستقيم به الناس. حين يختلّ العدل تضيع القيم، ويعمّ الظلم، ويعيش الناس في خوف واضطراب. لكنه حين يقوم، يزهر الأمن، ويستقيم المجتمع، ويشعر كل فرد أن له مكانة وكرامة.

الله جلّ وعلا يقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾، والمقسطون هم العادلون الذين يُنصفون الناس ولو على أنفسهم، الذين لا يُفرّقون بين قريب وبعيد، ولا بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف. إن أحبك الله لأنك عادل، فقد نلت شرفًا عظيمًا، لأن العدل صفة من صفاته جلّ في علاه، وهو القائل: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗا﴾.

العدل ليس مسؤولية القضاة والحكام فقط، بل هو واجب كل إنسان. في بيتك، أن تعدل بين أولادك في الحب والعطاء. في عملك، أن تُنصف زملاءك وتُعطي كل ذي حق حقه. في حديثك، أن تنقل الكلمة كما سمعتها دون تحريف. حتى في قلبك، أن تُنصف الناس فلا تحكم عليهم بظن أو هوى.

النبي ﷺ حذّر من الظلم، فقال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». والعدل هو النور الذي يُبدّد تلك الظلمات. بل جعل الله للمقسطين منزلة خاصة يوم القيامة، فقال ﷺ: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل – وكلتا يديه يمين – الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا». فما أعظمها من بشارة، أن يجلس العادل يوم القيامة على منابر النور بجوار عرش الرحمن.

التاريخ يثبت أن أعظم الأمم قامت بالعدل، ولو كانت بعيدة عن الإيمان، وأن أضعفها سقطت بالظلم ولو رفعت شعار الدين. قال ابن تيمية رحمه الله: «إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة». فالعدل أساس العمران، والظلم هادم الأوطان.

والعدل امتحان صعب، لأنه قد يُلزمك بالاعتراف بخطأ نفسك أو عزيز عليك، وقد يجبرك أن تُنصف من تكره. لكنه هو ما يرفعك عند الله. يقول تعالى: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾. أي لا يحملكم بغض أحد على أن تظلموه، بل كونوا عادلين، لأن العدل هو أقرب الطرق إلى التقوى.

العدل لا يحتاج قوة بدنية، بل يحتاج قلبًا مستقيمًا ونفسًا صادقة. يحتاج شجاعة لتقول الحق حين يُغضب الناس، وصبرًا لتتحمل ثمن إنصافك. كثيرون يظلمون لأنهم يخشون خسارة نفوذ أو مال، لكن من أيقن أن العدل سبب لمحبة الله لم يبالِ بخسائر الدنيا، لأن كسب الآخرة أعظم.

تأمل في عدل رسول الله ﷺ؛ كان يقضي بين الناس فلا يفرق بينهم. حتى قال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». هذا هو قمة العدل: أن تُنصف ولو كان المخطئ أقرب الناس إليك.

وفي حياتنا اليومية، نحتاج أن نُمارس العدل بأبسط الصور: أن لا نظلم عاملًا في أجره، ولا نغتاب غائبًا، ولا نحكم على إنسان من مظهره. أن نضع أنفسنا مكان الآخر قبل أن نصدر الحكم. فكما تحب أن تُنصف، أنصف غيرك.

فلنسأل أنفسنا: هل نحن عادلون في بيوتنا؟ في أعمالنا؟ في أحكامنا على الناس؟ هل نزن بكفّة الحق، أم بكفّة الهوى؟

يا صديقي، العدل ليس خيارًا، بل هو هواء نقيّ تحتاجه البشرية لتعيش. وإذا أحب الله المقسطين، فذلك لأنهم يُقيمون ميزانه في الأرض، فيكونون ظلًّا لعدله ورحمته بين خلقه.

فطوبى للمقسطين الذين أحبهم الله، الذين جعلوا حياتهم ميزانًا للحق، ونشروا في الأرض نور العدل، فكانوا بحقٍّ منابر نور يوم القيامة.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة