
الرسالة الأولى: «لأن المحبة تُترجم باتباع»
في كلّ قلبٍ مؤمنٍ شعلةٌ خفية، تتوهّج كلّما ذُكر اسم النبي ﷺ، وتزداد اتقادًا حين يذكر المرء سنّته، ويتأمل هديه، ويتمنى أن يسير على خطاه، ولو خطوة.
المحبّة الحقيقية ليست دمعةً في المآذن، ولا رجفةً في المحراب، بل هي اتباعٌ صادقٌ يُترجم الحبّ إلى عملٍ وسلوكٍ وسيرة.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]
آية تختصر الطريق كلّه… طريق الوصول إلى محبة الله، مفروشة بخُطى الاتباع.
كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه، من أكثر الناس حرصًا على اقتفاء أثر رسول الله ﷺ، حتى قيل إنه كان يسير على نفس المواضع التي مشى فيها النبي، ويصلي حيث صلى، وينزل من راحلته حيث نزل.
ورُوي أنه كان في سفرٍ، فمال عن الطريق قليلًا، ثم عاد إليه، فسُئل: “لِمَ صنعتَ هذا يا ابن عمر؟” فقال:
“رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا، فأحببت أن أفعل مثل فعله.”
ذلك هو الصدق في المحبة: أن تتحول المشاعر إلى التزام، والهوى إلى هدى.
فما قيمة حبٍّ لا يُثمر طاعة؟ وما نفعُ قلبٍ يقول “أحبّك” ولا يسير خلفك؟
تأمل في مواقفٍ صغيرة من حياته ﷺ، كانت تفيض رحمة وإنسانية، لكنها أيضًا كانت تشريعًا وسُنّة.
حين دخل المسجد فرأى رجلًا يصلي مسرعًا، قال له: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، ليعلّمه لا ليعنفه.
وحين رأى الحسن والحسين يتعثران في المسجد، نزل من منبره وحملهما، وقال: «صدق الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة»، ثم ابتسم.
كل حركةٍ من حركاته كانت درسًا في العبودية، وكل ابتسامةٍ منه كانت تربية للأمة على اللين والرحمة.
فالاتباع ليس أن نحفظ أقواله فحسب، بل أن نحياها.
أن نلبس الحياء كما لبسه، ونوزّع الرحمة كما وزّعها، ونُعامل الناس كما عاملهم هو ﷺ.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“المحبّ الصادق من تتبع آثار محبوبه، واقتفى سننه، واقتدى به في أمره ونهيه.”
فكلما ازداد الاتباع، زاد القرب، واشتدّ النور، حتى يُصبح العبد مرآةً تُشعّ من خُلق النبي، فيراه الناس في خُلقه قبل أن يروه في حديثه.
تأمل الآن في نفسك:
هل لو رآك رسول الله ﷺ، لابتسم وقال: “هذا من أمّتي الذين اتبعوا سُنّتي”؟
هل يشعر قلبك بالفرح حين توافق سنّته في كلمةٍ أو تصرفٍ أو خلقٍ؟
ذلك هو السؤال الأول في طريق المحبة…
هل تتّبع سنّته لأنك تحبّه، أم تحبّه لأنك تتّبع سنّته؟