
الرسالة الخامسة: «تذكره… ورجاء رؤيته»
في بعض الليالي، حين يسكن كل شيء من حولك، تشعر أن قلبك يبحث عن دفءٍ لا يجده في الدنيا… عن حضورٍ غائب، عن نورٍ يُطمئن الروح.
ذلك الحنين العجيب، الذي لا تفسير له إلا أنك تشتاق إلى نبيك ﷺ، وإن لم تره قطّ.
كأن بينك وبينه عهدًا قديماً لم تنسه الأرواح.
ليس التذكّر مجرد استحضارٍ لاسمٍ عظيمٍ مضى، بل هو يقظةُ قلبٍ ما زال يؤمن أنه قريب.
حين تذكره، تُصبح أكثر صفاءً، كأنك تستمد من روحه الطاهرة طمأنينةً وسكينةً لا تشبه سواها.
وما أجمل أن يمرّ اسمه على لسانك في اللحظات التي تشعر فيها بالضياع،
فتقول في سرّك: يا رسول الله، اشتقت إليك…
فتشعر أن الهمّ انزاح، وأن شيئًا من نوره ينساب إلى صدرك.
قال الله تعالى:
{النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]
وما أعظمها آية!
إنها تُخبرك أن حبّه لك أصدق من حبّك لنفسك، وأن حرصه عليك أعظم من حرصك على ذاتك.
كيف لا تذكره، وهو الذي سهر لأجلك، وبكى لأجلك، ودعا لأجلك؟
روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إبراهيم عليه السلام:
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ…}
وقول عيسى عليه السلام:
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ…}
فرفع يديه وبكى وقال:
“اللهم أمتي، أمتي.”
فقال الله عز وجل:
“يا جبريل، اذهب إلى محمد، وقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك.”
تأمل هذه اللحظة… نبيّ يبكي لا على نفسه، ولا على ولده، بل على أمّته التي لم تولد بعد.
أتبكي أنت أحيانًا شوقًا إليه؟
هو بكى لأجلك دون أن يراك.
قال أحد العارفين:
“من أحبّ النبي ﷺ صادقًا، اشتاق أن يراه، فإن لم يره في الدنيا رآه في المنام، وإن لم يره في المنام فليقف على سنّته، ففيها لقاؤه.”
يا لها من حقيقةٍ عذبة!
فكلما عشت سنّته، شعرت أن بينك وبينه لقاءً غير معلن،
لقاءَ الأرواح قبل أن تلتقي العيون.
وفي الحديث الشريف:
«من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي.»
كم من قلبٍ أرهقه الحنين فاختاره الله لرؤية حبيبه ﷺ في المنام،
يراه بوجهٍ يفيض نورًا ورحمة، فيقوم من نومه وقلبه مغمورٌ بالسكينة،
كأنما الدنيا أضاءت من جديد.
يا محمد ﷺ، كم نشتاق أن نراك عند الحوض،
وأن نسمع صوتك يقول: “تعالوا… أمتي، أمتي.”
نشتاق أن نكون ممن أُحبّوا ففازوا، وممن ذكروا فاقتربوا.
فتذكّره دائمًا، لا كذكرى غائبة، بل كنبضٍ حيٍّ في قلبك.
كلما قلت “اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد”،
تذكّر أنه يسمع سلامك ويُبلّغ إليه، فيردّ عليك السلام بروحه الطاهرة.
فهل أعددتَ نفسك لذلك اليوم الذي تراه فيه وجهًا لوجه؟
هل تمنّيت رؤيته كما تتمنى الجنة؟
وهل تعمل اليوم لتكون ممن يُقال لهم غدًا:
“إنك ممن أحبّ النبي، فكنتَ معه.”
💭 فهل تراه لو رآك اليوم… يبتسم لك؟